رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

قهوة الصباح


فى أزمنة الهدوء يسهل على الناس أن يتغنّوا بحب الوطن، لكن فى أزمنة الضجيج والاضطراب وحدها تُختبر صدقية هذا الحب. فالوطن ليس قصيدة تُلقى فى احتفال، ولا شعاراً يُرفع فى مناسبة، بل هو حالة وجود كاملة؛ هو الهواء الذى نتنفسه دون أن نشعر، والظل الذى نلوذ به حين تشتد حرارة الأيام.

نعيش اليوم لحظة صاخبة فى الإقليم، لحظة تتشابك فيها المصالح وتتصاعد فيها التوترات، وتتسع فيها دوائر القلق. فالحرب المشتعلة بين إيران وإسرائيل ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل زلزال سياسى وأمنى قد تمتد ارتداداته إلى كل ركن فى المنطقة. ومصر، بحكم موقعها ودورها وثقلها التاريخي، ليست بعيدة عن هذه العاصفة. فكل اضطراب إقليمى ينعكس بطبيعة الحال على اقتصاد المنطقة وأمنها واستقرارها، وعلى حركة التجارة والطاقة والملاحة، وعلى المزاج العام للشعوب.

وفى مثل هذه اللحظات، يصبح الوطن أكثر من مجرد جغرافيا؛ يصبح فكرةً ينبغى الدفاع عنها، وبيتاً ينبغى حمايته، ومصيراً مشتركاً لا يحتمل الترف ولا اللامبالاة.

لكن ما يثير الدهشة حقاً أن الضجيج الخارجى لا يكون أحياناً هو الأخطر، بل ذلك الضجيج الداخلى الذى يتسلل عبر الشائعات والهمسات المسمومة. أصواتٌ ناعقة تظهر فجأة فى لحظات التوتر، تتخذ من الظروف الاقتصادية الضاغطة منصة لبث التشكيك، ومن الأزمات العالمية مادة لتضليل الرأى العام. وكأنهم لا يدركون أن مصر ليست جزيرة معزولة عن عالم مضطرب، وأن الضغوط الاقتصادية التى تمر بها البلاد هى جزء من موجة عالمية تعانى منها دول كبرى قبل الدول النامية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث فى زمن التحديات هو أن يتسلل الشك إلى النفوس، وأن يتحول الاختلاف الطبيعى فى الرأى إلى محاولة لتمزيق الصف الوطني. فالوطن، فى لحظات الخطر، لا يحتاج إلى محللين يراقبون المشهد من بعيد ببرود، ولا إلى هواة تهويل يضخمون كل أزمة، بل يحتاج إلى قلوبٍ تؤمن به وعقولٍ تدرك أن الحفاظ عليه هو المهمة الأولى.

الحقيقة التى قد تبدو قاسية لكنها صادقة هى أن الوطن ليس فى حاجة إلينا بقدر حاجتنا نحن إليه. نحن الذين نحتاج إلى ظله وإلى أمنه وإلى استقراره. نحن الذين نحتاج إلى دولته ومؤسساته وجيشه واقتصاده. نحن الذين نحتاج إلى ذلك الإطار الكبير الذى يمنح لحياتنا معنى واستمرارًا.

ولذلك فإن حب الوطن لا يمكن أن يكون مشروطاً. لا يكون مرتبطاً بالرخاء وحده، ولا بالنجاح فقط، ولا بالتصفيق حين تسير الأمور بسلاسة. الحب الحقيقى يظهر حين تتعقد الظروف، وحين تضيق المسارات، وحين يصبح الصبر جزءاً من المعركة.

الوطن يشبه الأب الكبير الذى قد يمر بمرض أو تعب، لكن أبناءه لا يتركونه لأن صحته تراجعت، بل يلتفون حوله أكثر. ومصر اليوم، رغم كل ما تواجهه من ضغوط اقتصادية وتحديات إقليمية، لاتزال تقف بثبات دولةً عريقة تعرف كيف تدير أزماتها وتحافظ على توازنها فى منطقة تموج بالحرائق.

ويبقى السؤال الذى ينبغى أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: هل نحب هذا الوطن لأنه يمنحنا ما نريد، أم لأن وجوده هو شرط وجودنا نحن؟

الإجابة الصادقة لا تحتاج إلى خطبٍ طويلة.

فالوطن لا يُحب بالمقابل… بل يُحب بلا شروط.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة