رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

قهوة الصباح


ثمرة الرمان ليست مجرد فاكهة موسمية تزين الموائد، بل هي استعارة إنسانية عميقة تختزن في داخلها فلسفة كاملة عن التعايش والتنوع والوحدة. عندما نتأمل هذه الثمرة، نجد أنفسنا أمام نموذج طبيعي مدهش يختصر فكرة المجتمعات البشرية بكل تعقيداتها واختلافاتها.

من الخارج تبدو ثمرة الرمان واحدة، متماسكة، ذات قشرة صلبة تحيط بكل ما بداخلها. هذا المظهر الخارجي يوحي بالوحدة والانسجام، وكأن لا شيء يميزها عن غيرها من الثمار. لكن ما إن تُفتح حتى ينكشف عالم كامل من التفاصيل الدقيقة: مئات الحبات المتراصة، لكل منها شكلها ولمعانها ومذاقها، ورغم ذلك تعيش جميعها داخل إطار واحد دون صراع أو تنافر.

هذه الصورة لم تغب عن الثقافات القديمة والكتب السماوية، فقد ورد ذكر الرمان في القرآن أكثر من موضع، منها قوله تعالى في سورة الأنعام: “والزيتون والرمان متشابهًا وغير متشابه”، وفي سورة الرحمن: “فيهما فاكهة ونخل ورمان”. كما حضر الرمان في التوراه كرمز للبركة والخير والوفرة. هذا الحضور المتكرر لم يكن عابرًا، بل يعكس دلالته الرمزية العميقة المرتبطة بالحياة والخصب والتنوع.

وفي الثقافة الشرقية، خاصة في الصين تحولت ثمرة الرمان إلى رمز حي لفكرة الوحدة في إطار التنوع. فالصين، بتعدد قومياتها وثقافاتها، تجد في الرمان صورة تعبر عنها: حبات كثيرة مختلفة، لكنها متماسكة داخل قشرة واحدة. هذه الرؤية تمنحنا درسًا حضاريًا مهمًا، مفاده أن الاختلاف لا يتعارض مع الانتماء، بل يعززه.

أما في مصر فقد اكتسب الرمان بعدًا شعبيًا وجماليًا خاصًا، حيث ارتبط بالخصوبة والأنوثة والبهجة. لم يكن مجرد فاكهة، بل تحول إلى رمز حاضر في الوجدان الشعبي، يتردد في الأغاني والمناسبات. غنت فيروز لزهر الرمان، فحولته إلى صورة شعرية رقيقة تعبّر عن الجمال والبدايات. وكتب الأبنودي عن الرمان في شعره الشعبي، مانحًا إياه حضورًا إنسانيًا قريبًا من الناس، بسيطًا وعميقًا في آن واحد.

وتتردد صورة الرمان أيضًا في الأغاني الشعبية المصرية، خاصة في الأفراح، حيث يصبح رمزًا للفرح والخصوبة والبدايات الجديدة. كأن الرمانة هنا ليست مجرد فاكهة، بل وعد بالحياة، واحتفاءً بالاستمرار والتجدد.

الرمانة لا تحاول أن تجعل حباتها متشابهة ، بل تحتضن هذا التنوع في نظام دقيق يحفظ لكل حبة مكانها دون أن تلغي الأخرى. وهنا تكمن الفلسفة: الوحدة لا تعني الذوبان، بل تعني القدرة على التعايش ضمن إطار مشترك يحفظ الخصوصية ويعزز الانتماء في الوقت نفسه.

الأجمل أن هذا التنوع لا يظهر إلا حين نكسر القشرة. كذلك البشر، لا يمكن فهمهم من النظرة الأولى، بل يحتاجون إلى اقتراب وتجربة ومعايشة. فكما أن طعم الرمان لا يُدرك إلا بتذوق حباته، فإن قيمة الاختلاف لا تُفهم إلا حين نعيشها واقعًا.

في النهاية، تعلمنا ثمرة الرمان أن التماسك لا يعني التماثل، وأن القوة الحقيقية تكمن في جمع المختلف دون إلغائه. إنها دعوة لأن نرى في تنوعنا ثراءً لا تهديدًا، وأن ندرك أن أجمل ما في الحياة قد يكون مخفيًا تحت قشرة واحدة… ينتظر فقط من يكتشفه.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة