رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


بينما تنشغل الجماهير حول العالم بترقب قرعة المجموعات وصور النجوم، تدور في الغرف المغلقة ببروكسل وواشنطن "مباراة" من نوع آخر، لا تعترف بقوانين "الفيفا" ولا تخضع لصافرة حكم. نحن اليوم، في مطلع أبريل 2026، نقف أمام مشهد عبثي؛ حيث باتت النسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم (48 منتخباً) مهددة ليس بسبب ضعف التنظيم، بل لأن "كرة القدم" سقطت رهينة في قبضة صراع الإرادات بين إدارة دونالد ترامب والقارة الأوروبية العجوز. إن ما يتردد عن "إلغاء أو تأجيل" المونديال ليس مجرد شائعة عابرة، بل هو صرخة احتجاج مكتومة تترجم حالة "الغليان" التي وصلت إليها العلاقات عبر الأطلسي.
حين تصبح "التأشيرة" سلاحاً
تبدأ جذور الأزمة من "عشب الملاعب" ذاته؛ فمنذ لحظة إعلان إدارة ترامب عن سياساتها المتشددة بشأن الهجرة وتعليق معالجة التأشيرات لمواطني عشرات الدول، تحولت "الولايات المتحدة" من أرض للأحلام إلى حصن منيع. هذا الإجراء، الذي وُصف بالأمني، ضرب "عالمية اللعبة" في مقتل.
الجماهير الأوروبية، التي اعتادت التنقل بحرية، وجدت نفسها أمام تعقيدات لوجستية مهينة، مما دفع اتحادات كبرى مثل ألمانيا وإسبانيا وهولندا لإرسال مذكرات شديدة اللهجة لـ "الفيفا". الرسالة كانت واضحة: "لا يمكن إقامة مونديال في بلد يغلق أبوابه أمام العالم". هذا التوتر الرياضي لم يكن إلا القشرة الخارجية لأزمة أعمق، حيث بدأت أوروبا تدرك أن استضافة أمريكا للبطولة هي "قوة ناعمة" يستخدمها ترامب لشرعنة سياساته، وهو ما ترفضه بروكسل جملة وتفصيلاً.
"الطلاق العظيم" وظلال الناتو
وبالانتقال من الملاعب إلى أروقة الدبلوماسية، نجد أن "أزمة المونديال" هي الابن الشرعي لانهيار الثقة بين ضفتي الأطلسي. لقد أحدثت تصريحات ترامب حول "السيادة على جرينلاند" وتلميحاته المتكررة بالانسحاب من حلف الناتو زلزالاً في الوجدان الأوروبي.
أوروبا اليوم لا ترى في أمريكا "الحليف المنقذ"، بل "الشريك المتهور". هذا الصدام السياسي انتقل مباشرة إلى ملف المونديال عبر "البوابة الإيرانية". فمع تصاعد حدة التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وضعت واشنطن قيوداً صارمة على مشاركة المنتخب الإيراني، وهو ما اعتبرته أوروبا خرقاً لميثاق الأولمبياد والفيفا. هذا التعنت الأمريكي دفع القادة الأوروبيين (ماكرون وشولتز تحديداً) للتلميح بأن "الأمن القومي الأوروبي" وقيم القارة أهم من المشاركة في بطولة تُدار بعقلية "أمريكا أولاً". ومن هنا، يسلمنا الملف السياسي إلى المحرك الأكثر فتكاً في هذه الأزمة: الاقتصاد.
"حرب الرسوم" التي أحرقت الجسور
لا يمكن فهم الغضب الأوروبي دون النظر إلى "جيوب" القارة. فبينما كان العالم يستعد للمونديال، كانت إدارة ترامب تشن حرباً تجارية ضروساً، بفرض رسوم جمركية شاملة على الصادرات الأوروبية (خاصة السيارات والتكنولوجيا). هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء اقتصادي، بل كانت "إعلاناً للحرب" بالوسائل السلمية.
هذه الحرب التجارية جففت منابع الدعم للمونديال؛ فالشركات الأوروبية العملاقة التي كانت تمول البطولة وتضخ مليارات الدولارات في حقوق الرعاية، وجدت نفسها مثقلة بخسائر فادحة نتيجة الرسوم الأمريكية. هذا "النزيف المالي" دفع بعض الرعاة للتهديد بالانسحاب، مما وضع "الفيفا" في مأزق تمويلي خانق. وهنا نجد الترابط العجيب: كيف يمكن لأوروبا أن تدعم بطولة تقام على أرض دولة "تخنق" اقتصادها؟ لقد أصبح المونديال "ورقة ضغط" اقتصادية تستخدمها أوروبا للرد على رسوم ترامب، مهددة بسحب الزخم الجماهيري والتجاري من النسخة الأمريكية.
أمن الملاعب أم أمن المضائق؟
تتشابك كل هذه الخيوط لتصب في بؤرة واحدة هي "الأمن". إن التهديد الحقيقي للمونديال ليس في شغب الملاعب، بل في تداعيات الصراع في مضيق هرمز. أوروبا تخشى أن تتحول الملاعب الأمريكية إلى "أهداف سياسية" نتيجة السياسات الصدامية لواشنطن.
لقد أصبح المونديال مرآة تعكس تفكك النظام العالمي القديم. فالمقاطعة التي يلوح بها الأوروبيون، والرفض الإيراني للعب في كاليفورنيا، والتمرد المكسيكي الصامت، كلها شواهد على أن "المركزية الأمريكية" تحتضر. بالنسبة لنا في مصر، نحن نراقب هذا الصراع من مقعد "المشارك القلق"؛ فمنتخبنا الوطني الذي وقع في المجموعة السابعة، يجد نفسه في قلب العاصفة بين بلجيكا (التي تمثل غضب أوروبا) وإيران (التي تمثل الصدام العسكري).
الخلاصة
إن كأس العالم 2026 لم يعد مجرد بطولة كرة قدم، بل هو "اختبار القوة" الأخير بين عقلية "الانعزال الأمريكي" وطموح "الاستقلال الأوروبي". إذا لم تتراجع واشنطن عن "عقيدة الصدمة" الاقتصادية والسياسية، فقد يذكر التاريخ أن عام 2026 كان العام الذي انطفأت فيه شعلة المونديال تحت وطأة الغرور السياسي.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة