معًا للمستقبل
انقضى رمضان بنفحاته وبركاته واستأنف الناس أعمالهم وانخرطوا في مشاغلهم، وانطلق كل واحدٍ في طريقه باحثًا عن دنياه والسؤال: ماذا بقي لنا من روح الصيام؟!
مضت العبادات الشعائرية التي يقبل عليها الناس في رمضان من صيام وقيام وزكاة وغيرها..فماذا بقي من أثرها، هل تركت فينا ما يعلي العبادات التعاملية، وهي الغاية المثلى والثمرة الحقيقية للعبادات، فالدين المعاملة؟!
فهل تحسنت معاملاتنا وارتقت علاقاتنا بكل ما حولنا ؟!
وإذا المال عصب الحياة ومدار السعي والكدِّ فهل الغِنى حقًا فيما نملك، أم فيما نكون؟
وهل تُقاس قيمة الإنسان برصيده في البنوك، أم برصيده في السماء؟
أسئلة تفرض نفسها في زمنٍ صار فيه المال معيارًا للحكم على الناس، حتى كاد أن يختلط على كثيرين معنى الغنى الحقيقي، وغابت البوصلة التي كانت تهدي القلوب إلى طريق الطمأنينة والرضا.
أإذا سعيت لتكون غنيًا بجمع المال والعقارات والمكاسب، أفلا يجدر بك أن تسعى لتكون أغنى بحسناتك؟
أليس الأولى أن تُعمِّر صحيفتك بالأعمال الصالحة كما تُعمِّر حساباتك بالأموال؟
يقول الله تعالى:
﴿مَّا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: 96]
فأي الغنيين أبقى: غنيٌّ يُنفق مما يفنى، أم غنيٌّ يدّخر لما لا يفنى؟
ثم نسأل أنفسنا بصدق:
هل أدينا حقوق الناس كما نسعى لتحصيل أموالهم؟
هل كنا أمناء في معاملاتنا، صادقين في وعودنا، منصفين في أحكامنا؟
أم أننا نغفل عن هذه الحقوق، ونظن أن النجاح في الدنيا يُغني عن الحساب في الآخرة؟
يقول الله عز وجل:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]
فالعدل ليس خيارًا، بل أمر إلهي، والإحسان ليس ترفًا، بل طريق للنجاة.
وإذا انتقلنا إلى سؤالٍ أشد وقعًا:
لماذا نُطلق ألسنتنا في الناس؟
لماذا ننشغل بفلان ماذا فعل، وفلان ماذا اشترى، وفلان كيف عاش؟
أليس في حياتنا ما يكفينا من تقويمٍ وإصلاح؟
يقول الله تعالى محذرًا:
﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12]
ويقول النبي ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»
فهل سلم الناس من ألسنتنا؟ أم أننا نُثقل ظهورنا بأوزارٍ لا نشعر بها؟
ثم سؤالٌ آخر يفرض نفسه بقوة:
أين نحن من بيوتنا؟
هل انشغلنا ببناء الثروات وتركنا بناء الإنسان؟
هل اهتممنا بتأثيث المنازل ونسينا تأثيث القلوب؟
إن أعظم استثمار ليس في العقارات، بل في الأبناء.
فهل علّمنا أبناءنا احترام الصغير وتوقير الكبير؟
هل غرَسنا فيهم معنى صلة الرحم، وحب الأجداد، وحقوق الأقارب؟
يقول الله تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]
فإذا كان الإحسان إلى الوالدين أمرًا إلهيًا، فكيف بمن قطع رحمه أو أهمل أهله؟
وهنا نطرح سؤالًا مؤلمًا:
كم بيتًا امتلأ بالأجهزة الفاخرة، لكنه خلا من القرآن؟
وكم بيتًا ضاق ماديًا، لكنه اتسع بنور كتاب الله؟
أليس من الأولى أن نعيد للقرآن مكانه في بيوتنا؟
أن نُرسل أبناءنا إلى الكتّاب، لا ليحفظوا الحروف فحسب، بل ليحفظوا القيم والمعاني؟
يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]
فهل نبحث عن الاستقامة بعيدًا عن مصدرها؟
ثم نتأمل في واقعٍ عجيب:
كم من فقراء لا يملكون المال، لكنهم يملكون القلوب المطمئنة؟
وكم من أغنياء يملكون كل شيء، لكنهم يفتقدون السكينة؟
أليس في ذلك درسٌ بليغ؟
لقد رفع القرآن أقوامًا، ولم يرفعهم المال، وجعلهم في أعلى المناصب، لأنهم حملوا القيم قبل أن يحملوا الشهادات.
يقول النبي ﷺ: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين»
فأي طريقٍ نسلك؟ طريق الرفع أم طريق الخفض؟
ومن هنا نصل إلى السؤال الأكبر:
من المسؤول؟
هل المسؤولية تقع على الحاكم وحده؟ أم على كل فرد في موقعه؟
يقول النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»
فالمسؤول ليس فقط صاحب المنصب، بل الأب في بيته، والمعلم في فصله، والتاجر في تجارته، والمواطن في سلوكه.
فهل أدّى كلٌّ منا ما عليه؟
أم أننا نطالب بالحقوق ونغفل عن الواجبات؟
وعندما ننظر إلى واقع الناس اليوم، نجد فجوةً بين القيم التي نؤمن بها والسلوك الذي نعيشه.
نتحدث عن الأمانة، لكننا نتساهل في الغش.
نتحدث عن الرحمة، لكننا نقسو في أحكامنا.
نتحدث عن صلة الرحم، لكننا نقطعها لأتفه الأسباب.
فكيف نرجو إصلاحًا عامًا دون إصلاحٍ فردي؟
وكيف ننتظر تغييرًا في المجتمع دون أن نبدأ بأنفسنا؟
إن بناء المجتمعات لا يبدأ من القوانين فقط، بل من الضمائر.
ولا يتحقق بالخطابات، بل بالسلوكيات.
ولا يُفرض من الأعلى، بل يُبنى من الداخل.
فإذا صلح الفرد، صلح البيت، وإذا صلح البيت، صلح المجتمع، وإذا صلح المجتمع، قامت الأمة على أسسٍ راسخة.
وفي الختام، يبقى السؤال الذي لا مفر منه:
أي غنى نريد؟
غنىً يزول بزوال الدنيا، أم غنىً يبقى ببقاء العمل الصالح؟
أي إرث نترك؟
مالًا يُقسم، أم أثرًا يُحتذى؟
أي حياة نعيش؟
حياة الانشغال بالناس، أم حياة الانشغال بإصلاح النفس؟
إن الإجابة ليست كلمات تُقال، بل أفعال تُعاش.
فمن أراد الغنى الحقيقي، فليغتنم الفرصة قبل أن يُسأل، وليُصلح ما بينه وبين الله، وما بينه وبين الناس، قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.