لحظة تمرد
لم يكن يوم الأربعاء، الخامس والعشرون من مارس 2026، يوماً عادياً في أجندة حياتي؛ بل كان يوماً "كونياً" بامتياز، تقاطعت فيه صرخات السماء مع أنين الجسد، وصخب المطابع القادم الي من بعيد مع سكون وبرودة غرفة العمليات في مستشفي المقطم للتأمين الصحي . .. ترتجف القاهرة اليوم تحت وطأة إعصار جوي عاتٍ، سحبٌ متراكمة كالجبال، وأمطارٌ تنهمر بالثلج و كأنها تغسل خطايا الأرض جميعها وفي اللحظات التي كانت فيها الرياح تقتلع الهدوء من الشوارع، كان "إعصارٌ" آخر يقتلع السكينة من صدري، معلناً بداية معركة لم أكن مستعداً لها ولم أتخيل ضرواتها، لكنني كنت مجبراً على خوضها ببقايا طاقة كادت أن تنفد.
• سألت نفسي هل قدر العدد الأسبوعي للجمهورية ان يلازمني حتي فى المرض؟
أصيبت بجلطة لأول مره الاربعاء 13 دسيمبر الماضي والآن أنسد الشريان الرئيسي ويحاولون ان يجدوا للحياة طريقا فيه ، هل اليوم سيكون يوم ميلاد ورحيل، أم سيكون يوم ميلاد من جديد؟
قضيت نحو أربعين عاماً بين رائحة الحبر وضجيج المطابع، ويمثل "يوم الأربعاء" قدسية خاصة، إنه "يوم الأسبوعي" في مؤسسة "الجمهورية"، اليوم الذي تتسارع فيه الأنفاس وتتشابك فيه الأيدي لإخراج مولود جديد إلى القارئ صباح الخميس ... الأربعاء هو يوم "الحصاد" والميلاد المهني، حيث يضع فريق الاسبوعي بأجياله المختلفة المتجدده والمستمرة عصارة الفكروالجهد ليرى النور.
يا للمفارقة القدرية ! ...في اليوم الذي كنتُ أعتاد فيه أن أشارك زملائي صياغة "المانشيتات" وتنسيق الصفحات، وجدتُ نفسي "خبرًا" صامتًا على سرير الوجع. وبينما كانت مطابع "الجمهورية" تدور لتطبع كلماتنا، كانت "مطابع الألم" في جسدي تدور لتعصر روحي... هل كان اختيار القدر ليوم الأربعاء محض صدفة؟ أم هو رسالة وجودية بأن "اللحظة" التي كنتُ أهبها للقارئ مع الزملاء طيلة أربعين عاماً، حان الوقت لأهبها لربي ولذاتي في وقفةٍ مع النفس تحت قصف المرض؟
1. مرايا الطاقة.. بين طهران وشرايين الجسد
في غمرة هذا الوجع، وأنا أصارع ليظل وعيي متصلاً بالحياة، كانت الذاكرة منذ دقائق متشبثة بشاشات الأخبار وصورا مروعة لضرب محطات الطاقة في إيران. رأيتُ المحولات وهي تنفجر، والمدن وهي تغرق في ظلام دامس... وفي لحظةٍ من "الكشف" الإنساني، شعرتُ أن تلك الانفجارات تحدث في داخلي.
سألتُ نفسي بمرارة: هل يضرب المرض "محطات الطاقة" في جسدي؟ هل أعيش الآن لحظات إقتراب "الإظلام التام" حيث تنطفئ الأضواء في عروقي وتتوقف توربينات القلب عن ضخ الأمل؟
شعرتُ بالانهيار من القادم ، لحظات تنطفئ فيها الأضواء فعلاً، ليس فقط أضواء الغرفة، بل "أضواء البصيرة" التي تكاد تستسلم لظلمة قادمة من هناك يقودها الألم... أشعر أنني قرب النهاية، وأن كل "محطات التوليد" للأمل في جسدي قد استنفدت وقودها. صرختُ في صمتٍ زلزل كياني: "يا الله.. امددني بالطاقة، امددني بالقوة، امددني بالصبر"... لم أكن أطلب طاقة العضلات، بل كنتُ أطلب "المدد" الذي لا يقطعه قصفٌ ولا ينهكه عطلٌ تقني.
• 2. إعصاران في وقت واحد .. صرخة الأرض ونداء الروح..
لم يكن الخامس والعشرون من مارس يوماً ممطراً فحسب، بل كان يوماً "إعصارياً". السماء تمطر في الخارج بغضبٍ جميل إلا علي الفقراء وشاغلي الشوارع ، فقلتُ لروحي: يالله .."إنها لحظة دعاء".. وفي المقابل، كان الإعصار الداخلي يعصرني بلا رحمة، فقلتُ: "يا الله، هذه هي لحظات الدعاء الحق، حين يمتزج وجع القلب ودمع العين بمطر السماء، وأنين الروح بزمجرة الرياح".
هنا تتجلى الفلسفة الوجودية للألم ، فالمرض ليس غياباً للحياة، بل هو "تكثيف" لها. في لحظة العجز التام، نكتشف أننا لسنا "محركات" تعمل بالوقود المادي، بل نحن "أرواح" تستمد طاقتها من مصدرٍ علوي...لذلك أستنجدت و ناديتُ بالآية الكريمة التي طالما رددتها في الرخاء، لكنني اليوم أتذوق طعم حروفها في الشدة: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}. ناديتُ بها ملء قلبي، وأنا على ثقة ويقين بأن الذي يسير السحاب وينزل المطر في الخارج، قادرٌ على إخماد إعصار الوجع في الداخل.
• 3.التمرد على"الخريف"الإنساني
تأملت أسم مقالي المحبب لي منذ سنوات وقلت إن "لحظة التمرد" الحقيقية ليست في رفض المرض، بل في التمرد على "اليأس" الذي يجلبه المرض.. مقاومة الإستسلام التمرد على فكرة "النهاية" بهذا الشكل البسيط .. نعم، المحطات قد تضرب، والأضواء قد تنطفئ، والطب قد يعجز، لكن "نور الله" لا ينطفئ أبداً.
أدركتُ أن مسيرتي التي امتدت لأكثر من أربعين عاماً في بلاط صاحبة الجلالة، كانت تدريباً طويلاً على "المواجهة". فكما كنا نواجه ضيق الوقت قبل صدور العدد، كنتُ أواجه في ذلك الأربعاء 25 مارس 2026 ضيق الأنفاس قبل صدور "قرار الحياة". لقد شعرتُ بحماية الله تحيط بي، شعورٌ دافئ كشمسٍ خفية خلف غيوم مارس العاتية.
الأسبوع القادم ، أحكي لكم كيف تحول هذا الظلام إلى نور، وكيف بدأ "المدد الخفي" ينسلُّ من بين أصابع القدر، حين غابت وجوه البشر وأطلت وجوه "آل البيت" وأرواح الراحلين لتطبطب على قلبي المنهك، وتهمس لي: "لست وحدك".
[email protected]