رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

رؤية



في زمنٍ تتكاثر فيه صور الدمار على الشاشات، ويختلط فيه صوت التكبير بأصداء القصف، يأتي العيد هذا العام مثقلا بأسئلة موجعة: كيف نفرح وهناك من لا يجد سقفا يؤويه؟ كيف نرتدي الجديد وهناك من فقد كل شيء؟ وكيف نحيي شعائر البهجة وأحزان العالم الإسلامي ما زالت تنزف؟
العيد في جوهره ليس مجرد طقوس احتفالية، بل هو حالة إيمانية وإنسانية عميقة، تتجلى فيها معاني الرحمة والتكافل.. لكن في ظل الحروب التي تضرب أكثر من بقعة في عالمنا، يصبح للعيد طعم مختلف، أقرب إلى التأمل منه إلى الفرح، وأقرب إلى الدعاء منه إلى الزينة.. فهناك في مناطق نزاع عديدة يستقبل الناس العيد ببيوت مهدمة وأحباب غائبين وقلوب مثقلة بالفقد.
ومع ذلك، لا يغيب العيد تماما، بل يتغير شكله.. فالأم التي فقدت ابنها ما زالت تصر على إعداد ما تيسر من الطعام، كأنها تقاوم الحزن بطقوس الحياة.. والطفل الذي فقد لعبته قد يبتسم لقطعة حلوى بسيطة، وكأنها تعيد له بعضا من طفولته المسروقة.. هنا، يصبح العيد فعل صمود لا مجرد مناسبة عابرة.
وفي الجانب الآخر من العالم، حيث يسود الأمن النسبي تبدو مسؤولية الناس أكبر من مجرد الاحتفال.. فالعيد فرصة حقيقية لإحياء معاني التكافل ليس فقط عبر الصدقات، بل أيضا عبر الوعي والدعاء والدعم بكل أشكاله.. فلم يعد مقبولا أن يمر العيد كخبر عابر في نشرات الأخبار بينما يعيش آخرون مأساته لحظة بلحظة.
إن الحروب لا تسرق الأرواح فقط، بل تسرق أيضا لحظات الفرح التي تعد من أبسط حقوق الإنسان.. ومع ذلك، يظل العيد شاهدا على أن الأمل لا يموت.. وأن الشعوب في أقسى الظروف تبحث عن بصيص نور تعلق عليه قلوبها.
قد لا يكون هذا العيد كما تمنيناه.. لكنه يذكرنا بحقيقة مؤكدة وهي أن الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا إذا شاركناه مع الآخرين.. وأن الإنسانية لا تقاس بما نملك، بل بما نقدمه في أوقات الشدة.. فالعيد لا يعرف الاستسلام.. لأنه في جوهره ليس مجرد يوم في التقويم ولا طقسا اجتماعيا يتكرر كل عام بل هو فكرة عميقة في روح الإنسان.. فكرة أن الفرح ممكن حتى بعد الحزن وأن الحياة قادرة على أن تبدأ من جديد مهما اشتدت العواصف.
لقد جاء العيد حاملا معه ما بقي في القلوب من نور وليحرس آخر ما تبقى من الأمل.. فالعيد في النهاية ليس يوما عابرا بل وعدا متجددا بأن الحياة أقوى من الحرب وأن الإنسان سيظل يبحث عن السلام حتى يجده.. وسيظل العيد يطرق الأبواب عاما بعد عام حتى في أكثر الأزمنة قسوة لأن الأمل الذي يحمله لا يعرف الموت.. وهكذا يبقى العيد شعلة صغيرة في قلب العالم قد تضعف أحيانا لكنها لا تنطفئ.. ومادام في الإنسان قلب ينبض وروح تؤمن بالغد فسيظل العيد يعود دائما حاملا معه الأمل الذي لا يموت.
وفي النهاية يبقى الدعاء هو اللغة المشتركة بين القلوب أن يرفع الله البلاء عن المظلومين، وأن يبدل خوفهم أمنا، وحزنهم فرحا، وأن يأتي العيد القادم وقد عادت للأوطان طمأنينتها، وللقلوب سلامها.. فاللهم يا جامع الناس ليومٍ لا ريب فيه، اجمع شمل العرب على الخير، ووحد صفوفهم على الحق، واطفئ نار الفتن في بلادهم، وأبدل خوفهم أمنا.
وكل عام والأمتان الإسلامية والعربية والعالم أجمع بألف خير وسلام ومحبة وأمان.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة