رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب



يعد شهر رمضان المبارك إشراقة روحية تضيء جنبات القلوب بنور الإيمان، حيث تتهلل الأرواح استبشاراً بنفحاته الزكية، وتتوق النفس لتنهل من أيامه المعدودات وكأنها على موعد استثنائي مع زمن مغاير تفيض فيه البركات وتتطهر فيه السرائر، حيث تتنزل فيه الرحمات الإلهية، فيتسابق العابدون في ميادين الطاعات، ويتنافس الصالحون لنيل شرف المغفرة، في مشهد إيماني مهيب تصفد فيه الشياطين، وتفتح أبواب الجنان، ويتردد في الأفق نداء الحق يا باغي الخير أقبل، وعلاوة على قدسيته الدينية، يمثل رمضان فضاءً قيمياً ثرياً يحمل في طياته أسمى المعاني الإنسانية والاجتماعية؛ فهو موسم للسمو الروحي والطاعات والتأمل الوجداني، تتجلى فيه قيم التراحم وتتعمق خلاله أواصر الروابط الأسرية، وفي رحابه تغرس في النفوس معاني التكافل والتضامن في أرقى صورها، حيث تتفتح القلوب على فعل الخير، وتفيض بالمحبة الصافية، وتصاغ فيه ذكريات إيمانية وعائلية تظل محفورة في الوجدان، لتشكل رصيداً معنوياً يغذي الروح طوال العام.
ويتجلى البعد الإنساني في فضاء رمضان الرحب من خلال فلسفة العطاء والبذل التي تتجاوز الجانب المادي لتستقر في جوهر المسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر؛ حيث تتنامى قيم التضامن الاجتماعي في أبهى صورها، سواء عبر الصدقات الجارية، أو موائد الإفطار التي تجسد وحدة المصير، أو المبادرات الخيرية المتنوعة التي تكرس روح التآخي الإنساني، وتعد هذه التجربة الروحية للصيام ليست مجرد كف عن المباحات، ولكن هي رياضة نفسية تعزز قيم التواضع والصبر، وتوقظ في الوجدان ملكة الامتنان للنعم التي ألفناها حتى غفلنا عن قدرها، ليعيد الجوع والعطش صياغة تقديرنا لمقدرات الحياة والنعم التي تستوجب الشكر المستدام.
وتتوج هذه الرحلة الروحية بجوهرة ثمينة وعلاقة عضوية لا تنفصم؛ وهي اقتران الزمان بالوحي، حيث يمثل القرآن الكريم ربيعاً للقلوب وشفاءً للصدور، وهو الذي شرف هذا الشهر بنزوله فيه، تصديقاً لقوله تعالى(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: 185)، ومن ثم أضحي رمضان والقرآن صنوان لا يفترقان في وعي المؤمن؛ ففي ظلال آياته تتضاعف الحسنات، وتسمو الأرواح في معاريج التدبر، مستشعرةً لذة التلاوة وعظمة الهداية التي تعيد صياغة وبناء الإنسان من الداخل.
ويمثل رمضان في جوهره حالة من الروحانية المكثفة التي تعيد صياغة علاقة الإنسان بذاته وبالكون، ففي خضم الصيام، يحدث انقطاع إرادي عن المألوف، وهو الانعزال المثمر، بجانب الصمت والامتناع عن الطعام والشراب الذي يعد تحريرًا للروح من ثقل الجسد، مما يتيح للنفس البشرية أن تصفو وتتأمل في كينونتها، إنها رحلة عبر الوجدان، تهدف إلى غرس أسمى معاني التكافل والتضامن، حيث تتفتح القلوب على الخير وتفيض بالمحبة الصافية، وتنقش في الذاكرة الجمعية ذكريات تبقى خالدة، تشكل مخزوناً معنوياً يقي الإنسان عوارض اليأس طوال العام.
وتأسيساً على هذا السمو الروحي، يتجلى البعد الإنساني في رمضان كأحد أرقى تجليات المسؤولية الأخلاقية، فالصيام يكسر حدة الأنا ويستبدلها بنحن الجمعية؛ حيث يسود الشعور بالالتزام تجاه الآخرين، ويزداد الإقبال على فعل الخير كاستجابة وجدانية لنداء الأخوة الإنسانية، وتتبدى هذه الروح في سوسيولوجيا المائدة الرمضانية، حيث تجتمع الأجساد والأرواح على موائد الإفطار الجماعية، وتمحي الفوارق الطبقية والاجتماعية في لحظة انكسار وتواضع جماعي أمام الخالق، كما إن تجربة الصيام تقوي ملكة الصبر، وتغرس في النفوس فلسفة الامتنان؛ فنحن في زحام النعم التي ألفناها، غفلنا عن قيمتها، ليأتي رمضان ويحرمنا منها مؤقتاً تعليماً؛ كي نقدر نعم الله حق قدرها، ونستشعر ألم المحرومين ، فننتقل من معرفة المعاناة إلى معايشة المعاناة.
ويزين هذا الشهر المبارك جوهرة ثمينة، وهي نزول القرآن الكريم في رحابه؛ حيث تتجلى العلاقة بين رمضان والقرآن بوصفها علاقةً عضوية تكاملية لا تقبل الانفصام، ومن ثم حدث تماه بين قدسية الزمان وبهاء الوحي؛ حيث شرف الزمان بليلة القدر التي هي بؤرة الوعي الروحي، وشَرُف المكان بنزول الروح الأمين بكلمة الله الخالدة، وتصديقاً لهذا الاتصال الوجودي، يقول الله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: 185)؛ ومن ثم، أضحي القرآن في رمضان ترياقاً وشفاءً للروح ولشتى اضطرابات الحياة وتحدياتها المعاصرة، كما إن التدبر في آياته، ومحاولة تفكيك شفرات الهداية الكامنة في نسقه اللغوي والتشريعي، يمنح المؤمن لذة عقليةً تستنير بها البصيرة، ودهشةً وجدانيةً تترقى بها الروح، لتتضاعف معها الحسنات كآثارٍ ملموسة في تقويم السلوك، فالقرآن في رمضان منهج حياة يعاد استكشافه في ظل تصفية النفوس وانعتاقها من أسر المادة؛ مما يحول ممارسة التلاوة إلى فعلٍ تحرريٍ وجودي، يخرج الإنسان من ظلمات الجهل والتيه إلى أنوار الوعي المقترن بالحكمة، ويجعله أكثر قدرة على فهم غاياته الكبرى في هذا الكون.
ويعد رمضان مختبراً سنوياً لتعزيز المناعة القيمية، فإذا كانت المجتمعات تحتاج إلى حصانة أخلاقية، فإن رمضان يوفر الأدوات المثالية لبناء هذه الحصانة، حيث إن الانضباط الذاتي الذي يمارسه الصائم هو قمة التدريب على ضبط الغرائز وتوجيهها نحو أهدافٍ أسمى، كما يربط الصيام بين القيم الأخلاقية وظروف الحياة اليومية، مما يوفر توازناً بنيوياً في شخصية الفرد والمجتمع، فالمجتمع الذي يتعلم الصبر الجماعي، والجود الجماعي، والعبادة الجماعية، هو مجتمع يمتلك رصيداً قيمياً صلباً يحميه من التفكك الأخلاقي أو الانجراف وراء الماديات الصرفة، وشهر رمضان هنا يتجاوز كونه طقساً تعبدياً ليصبح فلسفة تربوية متكاملة تعيد ترتيب الأولويات، وتضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع ضميره الأخلاقي.
ويظل رمضان مدرسةً مفتوحة الأبواب، تتلمذ فيها القلوب على قيم السمو الأخلاقي، وتستقي منها العقول دروس الحكمة، فهو المنطلق الاستراتيجي لمرحلة حياتية جديدة؛ حيث يكمن التحدي الحقيقي في كيفية استبقاء روح رمضان حيةً فاعلة في بقية شهور العام، فإن الغاية الأسمى هي أن تظل تلك المناعة القيمية التي تشكلت في ظلال الصيام حصناً منيعًا ضد الاختراق، وأن يظل الاتصال بالقرآن الكريم نبضاً حيوياً يوجه العقل والوجدان، وأن تستمر تلك الروح الإنسانية القائمة على البذل والعطاء نهج مستدام لا يتوقف بانقضاء الشهر، وهكذا، يصبح رمضان نبراساً أخلاقياً يضيء دروب السائرين نحو مرافئ الحق وقيم الجمال؛ ليبقى الإنسان قادراً بوعيٍ واقتدار على إحداث التوازن الدقيق بين أصالة انتمائه الروحي ورسوخ هويته، وبين انفتاحه الحضاري الواعي على آفاق المستقبل ومتغيراته المتسارعة.

بقلم
أ.د/ مها عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة