رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


دخلت الحرب بين إسرائيل وإيران ما قد يكون مرحلة غير مسبوقة في الشرق الأوسط. مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي و40 من كبار قادته في ضربة افتتاحية إسرائيلية أمريكية منسقة، حوّل صراع الظل الذي استمر لسنوات إلى مواجهة مباشرة على مستقبل النظام في طهران. لم يعد السؤال الرئيسي هو فقط عدد الصواريخ التي تحتفظ بها إيران، ولكن ما إذا كان النظام نفسه سيبقى على قيد الحياة.
من الناحية العسكرية، تمتلك إسرائيل والولايات المتحدة التفوق الجوي. تم القضاء على معظم القيادة الأمنية العليا في إيران، وتضررت البنية التحتية للقيادة والسيطرة بشدة. لكن إيران تحتفظ بقدرات إطلاق كبيرة، ولا توجد علامات فورية على انهيار النظام في طهران. كما أن مخزون الصواريخ الإيراني، الذي يقدر بنحو 2500 قبل العملية، يسمح لها بمواصلة إطلاق النار بشكل كبير. بل وسعت طهران إلى إضفاء الطابع الإقليمي على الصراع، ولم تضرب إسرائيل وقبرص فحسب، بل أيضاً ست دول عربية: المملكة العربية السعودية وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وعمان.
الآن تقترب الحرب من إكمال أسبوعها الأول، والنتائج مزعجة للغاية أما التداعيات فهي كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كان يُنظر إلى المرشد البالغ من العمر 87 عاماً بأنه صانع القرار النهائي في طهران، كما كان يمثل عقبة كبرى في التوصل إلى اتفاق مع الغرب أو أمريكا يؤدي إلى تحجيم إيران نووياً أو عسكرياً، ورفض أن يكون إرثه هو التفكيك الكامل لكل ما آمن به وعمل من أجله في النصف الأخير من حياته. برحيل الرجل تغيرت الصورة على قمة ما تبقى من هرم صناعة القرار في طهران وقم، وربما أصبح الطريق ممهداً أكثر للدبلوماسية، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن فكرة تغيير النظام من خلال الضربات الجوية غير قابلة للتنفيذ؛ فهي بمثابة المدفعية التي يمكن أن تدك أركان الحكم، لكن السيطرة على هذا الحكم تحتاج إلى "مشاة" وكفاءات على الأرض لتطهير الجيوب والقدرة على الإدارة والحكم والتحكم، وهذا هو ما تفتقر له الأحداث الدائرة على الأرض، وربما ليست مطروحة حتى في أولويات ترامب ونتنياهو.
في إسرائيل، هدف الحرب هو إزالة التهديدات الوجودية لإسرائيل على المدى الطويل مهما كان القادم هناك. وفي الولايات المتحدة، تبدو الصورة مختلفة؛ فهي لا تسعى لحرب طويلة في الشرق الأوسط، ولولا ضغوط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لاكتفى دونالد ترامب بضربات يونيو الماضي، لذلك فإن استمرار الصراع يقض مضاجع ترامب وكل الحزب الجمهوري، حتى إن تصريحات ترامب تشير إلى أن تل أبيب وواشنطن ليس لديهما رؤية مشتركة أو موحدة حول كيفية إنهاء الحرب.
في نوفمبر الماضي، تجاهل الرئيس ترامب معارضيه الذين كانوا من أشد مؤيديه حماسةً لسياسته الخارجية، وقال لقناة فوكس نيوز، بعد أن زعم أنه أوقف حروباً عديدة: "أعرف ما يريده أنصار ترامب أفضل من أي شخص آخر"، وأضاف: "أنصار ترامب يُحبّون كل ما أفعله".
على الرغم من تصريحاته النارية، وهو الذي وعد سابقاً بوقف الحروب، إلا أن تلاحم الرئيس مع قاعدته الشعبية بات موضع تساؤل بعد أن شن حرباً يوم السبت. فقد أثار قراره بالتحالف مع إسرائيل لتغيير النظام في إيران، ردود فعل واسعة من بعض مؤيديه البارزين، فضلاً عن مؤيدي فلسفة ترامب "أمريكا أولاً"، الذين ينتقدون الآن الضربات ويتساءلون عن مدى توافقها مع وعوده بوضع الولايات المتحدة ومصالحها فوق كل اعتبار. بل إنهم وصفوا ما يحدث بأنها "حربٌ تقودها النخب، وبصراحة، ما يُسمى بـ (الدولة العميقة)". ووصفت النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين، المؤيدة لشعار "أمريكا أولاً" والتي انفصلت مؤخراً عن ترامب، هذا الوضع بأنه "دائماً أمريكا في المرتبة الأخيرة". وقال إريك برينس، حليف ترامب ومؤسس شركة "بلاك ووتر" التي تورطت في جرائم إنسانية في غزو العراق، إنه لا "يرى كيف يتوافق هذا مع التزام الرئيس بشعار (لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً)".
ومع غياب المرشد وتصفية كبار قادته من عقول الحرس الثوري في ضربة واحدة، لم يعد السؤال هو متى تسقط طهران، بل متى يحل الانفجار الكبير في عواصم المحور؟ إن مقتل هذا العدد من القيادات العليا لا يمثل مجرد خسارة عسكرية، بل هو "قطع للعصب المركزي" الذي يغذي أذرع إيران الإقليمية من بيروت إلى صنعاء. هذه الميليشيات، التي تعودت لسنوات على تلقي الأوامر والتمويل من غرفة عمليات واحدة في طهران، تجد نفسها اليوم "يتيمة استراتيجياً" في مواجهة عواصف غير مسبوقة.
لكن الخطورة تكمن في أن هذا الفراغ القيادي قد لا يملؤه السلام، بل قد تحل محله فوضى السلاح والاجتهادات الميدانية الانتحارية. فهل يدرك ترامب أن إسقاط "رأس الهرم" دون خطة لاحتواء "قاعدة الهرم" المنتشرة في المنطقة قد يحول الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف لا تنتهي؟ الإجابة تائهة في دهاليز البيت الأبيض، حيث يبدو أن ترامب قد نجح في كسب المعركة الكبرى، لكنه لا يزال يتخبط في كيفية منع هذه الحرب من أن تصبح "فيتنام" جديدة بملامح إيرانية.
الاعتقاد السائد أن تلك الحرب تطرح عشرات الأسئلة التي ستظل تبحث عن إجابات لن تجدها على كل حال إلا عند شخص واحد فقط: ماذا سيحدث في النهاية؟ متى سيحدث ذلك؟ على أي مقياس؟ ما هو الهدف الاستراتيجي للضربة؟ كم من الوقت سوف تستمر؟ الإجابة عليها كلمة واحدة.. ترامب.
في الواقع، ليس من الواضح أنه حتى ترامب نفسه لديه إجابات حازمة على كل هذه الأسئلة، حيث يعتمد الكثير منها على بعضها البعض. والمشكلة هي أن تصرفاته لا يمكن التنبؤ بها، وأن هدفه النهائي لا يزال غير واضح. فهل يهدف إلى توجيه ضربة افتتاحية من شأنها أن تجبر طهران على العودة إلى الطاولة بشروط أفضل، أم إلى تغيير النظام؟ وإذا كان الأمر الأخير، فهل هو مستعد للمضي قدماً ودفع ثمن باهظ؟
ومع ذلك، فإن السؤال الأكبر هو سياسي وليس عسكرياً: هل ستترجم الضربات الحالية إلى تغيير في النظام؟ أم تتحول إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة؟ لا يمكن تجاهل أن هناك دولة تنتهك سيادتها على مدار الساعة في ظل صمت دولي مثير يشير إلى وجود اتفاق غير معلن، إن لم يكن ارتياحاً لما يحدث في طهران. أيضاً تتزايد الشكوك أن يكون عند ترامب الخبر اليقين!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة