رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لم تكن أصداء الانفجارات التي هزت طهران مجرد غارات جوية عابرة، بل كانت إعلاناً مدوياً عن سقوط "جدار برلين" الشرق الأوسط. بمقتل المرشد علي خامنئي، لا تواجه إيران فراغاً في السلطة فحسب، بل تواجه زوال هوية سياسية صاغت وجه المنطقة لقرابة نصف قرن. لحظات فارقة تمر بها منطقة الشرق الأوسط، ولو أردنا أن نكون أكثر دقة في التوصيف، فإن ما حدث في إيران يمثل مشهد الختام لحقبة امتدت عشرات السنين وتحديداً منذ نجاح ثورة الإمام الخميني على حكم الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979.. وبينما تتصاعد أعمدة الدخان، تبدأ واشنطن وتل أبيب في صياغة 'النسخة البديلة' لنظامٍ يراد له أن يكون متعايشاً لا ثائراً، في مقامرة كبرى قد تعيد رسم الخارطة الإقليمية للأبد.
طوال تلك الفترة، رسخ نظام الملالي حكمه على البلاد، وتغيرت أجندة إيران من دولة إقليمية كان يطلق عليها "شرطي الخليج" إلى دولة دينية كانت تسعى إلى تصدير ثورتها إلى كل محيطها. لكن يبدو أن الستار قد أسدل على تلك الفترة بمقتل خامنئي..
تل أبيب وواشنطن اللتان تمارسان عملية التغيير العنيف للنظام في طهران كجزء من مخطط بنيامين نتنياهو الذي قرر بعد عملية السابع من أكتوبر 2023 إزالة التهديد الإيراني بكل أدواته وأذرعه في غزة ولبنان وسوريا واليوم في إيران.. يدركان جيداً أن إسقاط النظام ليس هو الحل الأمثل، خاصة أن تجربة الحاكم العسكري في العراق بول بريمر بعد احتلاله وحل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية ما زالت ماثلة في الأذهان وكلفتهما كثيراً.
بالقطع ليس كل النظام في إيران نفس التوجه، وهناك من يريد استعادة العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب بكل الطرق المتاحة بعد عشرات السنين من الحصار الاقتصادي الخانق الذي وصل بسعر العملة الوطنية إلى أدنى مستوياتها. هؤلاء هم من يمكن الاعتماد عليهم كبدائل على الأقل في المرحلة الأولى. وهذا بالضبط ما قصده الرئيس دونالد ترامب وهو يعلن خبر مقتل المرشد قائلاً، إن الهجمات على إيران يمكن أن تستمر أسابيع ويمكن أن تنتهي خلال يومين.. المقصود أن إزاحة النظام لن تكون مطروحة الآن على الأقل، والبديل تولي القيادة لبعض الوجوه المعتدلة مع تغييرات جوهرية في التوجهات الداخلية والخارجية تجعل منه نظاماً مقبولاً ومتعايشاً مع محيطه الإقليمي. ولا ننسى أن التجربة الحاصلة في سوريا أصبحت نموذجاً يمكن تكراره.. أعضاء في جماعة متطرفة مصنفة دولياً كجماعة إرهابية ومطلوبين للعدالة أصبحوا بين ليلة وضحاها حكاماً لسوريا ورئيسهم يتم استقباله في البيت الأبيض الأمريكي الذي سبق ووضع مكافأة 10 مليون دولار على رأسه. إذن المشكلة لم تعد فيما سبق لكن ما سيقومون به مستقبلاً.
ويبقى أن نشير لماذا ستتجه الأمور إلى هذا المنحى.. في الحقيقة بعد هجمات السبت ونتائجها المتلاحقة التي بدأت بمقتل المرشد الإيراني وكبار مساعديه تجدر الإشارة إلى عدة ملاحظات جوهرية؛ أولاً: أن الضربات التي تمت حتى الآن جلّها نُفذت بواسطة سلاح الجو الإسرائيلي. كما أن الولايات المتحدة، حتى هذه اللحظة، لا تريد أن تتورط مباشرة في عمليات عسكرية مفتوحة لا يعلم أحد كيف أو متى ستنتهي، خاصة أن الضغوط الداخلية على "ترامب" في تزايد؛ سواء بسبب تداعيات فضيحة "إبستين"، أو الخلافات بين الجمهوريين على كثير من توجهات الرئيس داخلياً وخارجياً، فضلاً عن اقتراب موعد التجديد النصفي للكونجرس، الذي تشير أغلب الاستطلاعات فيه إلى تصاعد فرص التصويت للديمقراطيين. ومع أول سقوط لجندي أمريكي أو تضرر إحدى سفن الأسطول، سيكون هذا بمثابة ضربة قوية لترامب قد لا يتحمل تداعياتها، وهو الذي جاء بوعود إنهاء الصراعات في العالم، وها هو يجد نفسه على أعتاب التورط فيها.
ثانياً: إن دوائر صنع القرار السياسي والعسكري، على وجه الخصوص في واشنطن، تدرك أن الهدف المعلن من الحرب هو "إزاحة النظام"، وهذا هدف لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التحرك على الأرض، وليس بالضربات الجوية والصاروخية وحدها. وهذا معناه تورط عسكري أمريكي مباشر يشبه إلى حد كبير ما حدث في أفغانستان والعراق، مع اختلاف الجغرافيا والمكون الاجتماعي والأيديولوجي؛ مما سيجعل منه "مستنقعاً" لن تتحمله أي إدارة أمريكية حالية.
في كل الأحوال، من المتوقع أن تتولى إسرائيل المهمة الأساسية في العلن لسببين: الأول: أن ترامب ليس من الغباء ليتورط في حرب بجغرافيا لم تختبرها القوات الأمريكية من قبل، ناهيك عن أن الحلفاء الغربيين تركوه وحيداً دون مساعدة أو حتى مساندة سياسية، وكأنهم يقولون له: "لعل الأفاعي تموت بسموم العقارب". أما على الجانب الآخر من الأطلسي، فلا يبدو الموقف الأوروبي مجرد "مراقب حذر"، بل هو موقف يحمل في طياته رغبة ضمنية في رؤية واشنطن تغرق في تعقيدات الشرق الأوسط من جديد؛ فالقادة الأوروبيون، الذين عانوا من سياسات ترامب الحمائية وفرضه لتعريفات جمركية قاسية، بالإضافة إلى تهميش دورهم في ملفات دولية كبرى، قد يجدون في "التورط الأمريكي" نوعاً من الانتقام السياسي غير المباشر. إنهم يمارسون لعبة "النأي بالنفس" بذكاء؛ فمن جهة يرفضون تقديم أي دعم عسكري أو غطاء شرعي للعمليات، ومن جهة أخرى يراقبون ترامب وهو ينزلق نحو الالتزامات العسكرية التي طالما حاول الهروب منها، وكأن لسان حالهم يقول: "من أراد الانفراد بالقرار، فعليه الانفراد بالتبعات".
الثاني: رغبة ترامب الفعلية في تنصيب إسرائيل "شرطياً للمنطقة"، وعليها أن تتحمل عبء المهمة ليس لتطوير قدراتها فحسب، بل لتقديم نموذج عملي رادع لمن يريد أن يتصدى لها مستقبلاً.
وفي المقابل، وعلى الجبهة الشرقية، يقف الحليفان الروسي والصيني بمواقف تتراوح بين الإدانة الدبلوماسية الصارمة والدعم التقني المستتر. فموسكو، التي وصفت الهجوم بـ "العدوان المسلح غير المبرر"، ترى في اشتعال الجبهة الإيرانية فرصة لتشتيت الانتباه الأمريكي واستنزاف مخزونات واشنطن من الصواريخ الاعتراضية والذخائر المتطورة بعيداً عن الساحة الأوكرانية. أما بكين، فتتبنى استراتيجية "الصبر الاستراتيجي"؛ فهي ترفض التصعيد علناً حمايةً لإمدادات الطاقة واستثماراتها في "طريق الحرير"، لكنها في الوقت ذاته تعمل على تعزيز "السيادة الرقمية" لطهران بأنظمة دفاع سيبرانية بديلة للأنظمة الغربية. كلا القطبين يدركان أن سقوط النظام الإيراني يعني خسارة حليف جيوسياسي وازن، لذا فهما يراهنان على صمود طهران لإظهار عجز واشنطن عن حسم الصراعات، دون الانزلاق لمواجهة عسكرية مباشرة مع إدارة ترامب.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن اقتلاع جذور أيديولوجية عمرها خمسة عقود بضربات جوية وقرارات سياسية فوقية؟ إن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تسقط "بالتغيير العنيف" غالباً ما تترك وراءها فراغاً لا يملؤه إلا المجهول والثمن سيكون باهظا. وبين رغبة ترامب في تنصيب إسرائيل شرطياً للمنطقة، وحذر الحلفاء الأوروبيين، وتربص الخصوم في الشرق، تظل إيران اليوم 'صندوقاً أسود' لا يعرف أحد ما بداخله. فهل نحن أمام فجر جديد للاستقرار، أم أننا بصدد الدخول في نفق مظلم لن ينجو من سموم عقاربه أحد؟" والأخطر انه حتى الان لن نعرف من سيكتب كلمة النهاية.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة