نظرة
في بداية الاعتداء الغاشم على غزة، أشرت إلى ضرورة توثيقٍ دقيقٍ لكل ما يجري من أحداث، إيمانًا مني بأن المعركة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل تُخاض كذلك بالكلمة والصورة والرواية الصادقة. فالإعلام لم يعد مجرد ناقلٍ للواقع، بل أصبح قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام الدولي، ومن ثم في صياغة مواقف الدول وقراراتها.
التاريخ الحديث يثبت أن الصورة، والكلمة، والرواية الموثقة، تستطيع أن تغيّر اتجاهات الرأي العام العالمي، وأن تضغط على حكوماتٍ كانت تقف صامتة أو متحيزة. لذلك لم يكن غريبًا أن يُظهر الاحتلال الإسرائيلي حساسيةً شديدة تجاه التغطيات الإعلامية والدراما التي تكشف حقيقة ما يجري على الأرض.
اليوم، ومع حالة الاستياء التي عبّر عنها الاحتلال الإسرائيلي تجاه مسلسل “صحاب الأرض”، يتأكد لنا من جديد حجم التأثير الذي يمكن أن تصنعه الدراما حين تلامس الحقيقة. فالعمل لم يقدّم خطابًا سياسيًا مباشرًا، بل عرض في إطار إنساني معاناة الشعب الفلسطيني في غزة، وسجّل بالصورة الدرامية حجم الاعتداء غير الإنساني، وكشف تمسّك أصحاب الأرض بهويتهم رغم الألم والحصار والدمار.
إن قوة “صحاب الأرض” لا تكمن فقط في قصته، بل في توقيته، وفي قدرته على تحويل الألم إلى وعي، والحدث إلى ذاكرة. فالدراما حين تُكتب بصدق وتُنتج باحتراف، تصبح وثيقة تاريخية تبقى في وجدان الشعوب، وتعيد تشكيل نظرة العالم إلى ما يجري.
وهنا تبرز أهمية القوة الناعمة التي تمتلكها مصر. فالدراما المصرية كانت ولا تزال إحدى أهم أدوات التأثير في العالم العربي، قادرة على الوصول إلى ملايين البيوت، وصناعة وعيٍ جمعيٍّ عابرٍ للحدود. وإذا أُحسن توجيه هذه القوة نحو القضايا التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى، فإن تأثيرها سيتجاوز حدود الترفيه ليصبح عنصرًا فاعلًا في معركة الوعي.
لسنا بحاجة إلى مزيد من قصص العنف والبلطجة وتجارة السلاح والمخدرات، بقدر حاجتنا إلى أعمال تعيد الاعتبار لقضايانا الحقيقية، وتوثّق نضال الشعوب، وتقدم الرواية العربية بعمق ومسؤولية.
قوة أصحاب الأرض ليست فقط في صمودهم على ترابهم، بل في قدرتهم على رواية قصتهم. وحين تتحول هذه الرواية إلى دراما مؤثرة، فإنها تصبح سلاحًا لا يقل قوة عن أي سلاح آخر.
إن معركة اليوم ليست فقط في الميدان، بل في الكاميرا، وفي غرفة المونتاج، وفي النص المكتوب بعناية. فالرواية التي تُحكى أولاً، وتُوثَّق بدقة، وتُقدَّم بإنسانية، هي التي تبقى في ذاكرة العالم
نحن لا ندعو إلى تسييس الفن أو تحويله إلى منبر دعائي، بل إلى توظيفه بذكاء ليعكس الحقيقة، ويصون الذاكرة، ويعزز الانتماء، ويقدم روايتنا نحن للأحداث، بدلاً من أن يكتبها الآخرون عنا