رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


إذن، على الأقل لو حللنا الأمر دون الغوص في النوايا أو تجاهل الشواهد التي تملأ السمع والبصر، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد مواصلة السعي للتوصل إلى اتفاق مع إيران بدلاً من اللجوء إلى الخيار العسكري في هذا الوقت، كما أعلن بنفسه بعد لقاء دام ثلاث ساعات مع بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل.
بينما قال ترامب إن اجتماعه مع الأخير كان "جيداً جداً"، فإن نتنياهو زادت شكوكه في صديقه المؤقت بالبيت الأبيض؛ ليس فقط لأن الولايات المتحدة تفضل الدبلوماسية، لكنها أيضاً لن تكون داعمة له في توجيه ضربة عسكرية لطهران. وما زاد من حدة الأزمة أنه ربما لن تتطرق المفاوضات بين الجانبين (الأمريكي والإيراني) إلى واحد من أخطر الملفات التي تسبب أزمة سياسية وعسكرية داخل دوائر صناعة القرار في تل أبيب، وهي صواريخ إيران الباليستية التي تصل بكل سهولة إلى عمق المدن الإسرائيلية.
ترامب، الذي يقول الشيء ونقيضه، أكد أنه يتوقع جولة ثانية من المحادثات الأسبوع المقبل، لكنه سيرسل أيضاً مجموعة حاملات طائرات ثانية إلى الخليج لضرب طهران إذا فشلت المحادثات. هذا هو الرئيس الأمريكي الذي بدأ عام 2026 بنظام عالمي جديد، مع اختطاف القوات الأمريكية لرئيس فنزويلا.
على كل حال، فإن الجميع الآن يعلم أن نجاح المفاوضات سيؤدي إلى إنهاء الأزمة وتجفيف جزء كبير من منابع التوتر في الشرق الأوسط، والأهم هو استبعاد شبح الحرب إلى حين إشعار آخر. وإسرائيل ستكون الطرف الوحيد الخاسر من تلك النهاية، وعلى الأرجح لن تدع الأمور تصل إلى هذا الحد بسهولة؛ فهي حتى وإن كانت لا تمتلك الغطاء السياسي والعسكري اللازم لضرب برامج إيران النووية والباليستية، سيكون لديها الخيار الاستخباراتي الذي تتمنى من خلاله إزاحة نظام الملالي، على أمل أن تعود علاقاتها من جديد مع إيران مثلما كانت قبل ثورة الخميني 1979. وهناك في إسرائيل من يشعر أن تصرف ترامب يوفر لهم غطاءً من نوع ما إذا ما اتخذت تل أبيب نفس الخطوة مع قادة طهران، خاصة وهي بالكاد نجحت في السيطرة على احتجاجات متزايدة في الداخل.
قبل كل شيء، يجب أن نعترف أن التنبؤ بالتغيرات الاجتماعية والثورات فشل فشلاً ذريعاً، وكل الخبراء وأجهزة الاستخبارات المتطورة أثبتوا فشلهم في التنبؤ بها قبل حدوثها. على سبيل المثال، علماء السوفيت العظماء، والأشخاص الذين كرسوا حياتهم لدراسة الاتحاد السوفيتي، لم يتنبأوا بسقوطه. وجميع أجهزة الاستخبارات لم تتنبأ بالانهيار المفاجئ لنظام الأسد في سوريا. صحيح يمكن أن تنجح أدوات البحث في العلوم الاجتماعية في تفسير الأحداث، لكنها لا تملك الأدوات والقدرة على التنبؤ بالمستقبل؛ حتى أجهزة الاستخبارات المتطورة للغاية تفشل في التنبؤ بالاضطرابات الاجتماعية.
وفي إيران، الأمر أكثر تعقيداً، فهي دولة متعددة الأعراق، ذات ثقافة معقدة وطبقات اجتماعية متعددة، وهنا فإن القدرة على الفهم والتنبؤ تظل محدودة للغاية. لذا، عندما نحاول فهم ما يحدث في إيران، يجب أن نتحلى بالتواضع وأن نقرأ تحليلات الخبراء المختلفين بقدر معقول من الشك. لا شك أن موجة الاحتجاجات التي اندلعت مؤخراً كانت ذات أهمية بالغة؛ لأنها تتجاوز مختلف المستويات والقطاعات وتؤثر على حياة الإيرانيين بشكل مباشر. وحكومة طهران تكاد تكون عاجزة عن أداء مهامها، وتواجه صعوبة في توفير أبسط الخدمات لمواطنيها، كالماء، بعد عشرات السنين من الحروب والحصار الاقتصادي الدولي المفروض عليها.
وإذا كانت هذه الاحتجاجات تؤثر على أركان النظام، فمن الصعب التكهن بما إذا كانت ستؤدي إلى النهاية المنتظرة للجمهورية الإسلامية. ولا ننسى أن الحكومة حتى الآن لم تستخدم كامل قوتها لمواجهة الاحتجاجات، خاصة أنها نفسها منحت المتظاهرين بعض الشرعية من خلال اعترافها بصعوبة الأزمات التي يمر بها المواطن العادي؛ ربما لأنها تدرك هي الأخرى أنها لا تستطيع التنبؤ بالعواقب الناتجة عن استخدام العنف المضاد.
حتى قبل اندلاع أعمال الشغب، أدركت إسرائيل أنها ستضطر للتدخل مجدداً في إيران لوقف إعادة تسليحها بصواريخ أرض-أرض. وهذا ما عرضه رئيس الوزراء على الرئيس الأمريكي. ما هي تبعات العمل العسكري الإسرائيلي على الاحتجاجات في إيران؟ هل سيزيدها اشتعالاً أم سيدفع الإيرانيين إلى التوحد حول النظام؟ لا أحد يملك إجابة قابلة للاختبار. ولنفترض أن إسرائيل تُغريها فكرة تصفية المرشد الأعلى وابنه، ولي العهد المُعيّن؛ هل سيُعزز هذا من فرص اندلاع الاحتجاجات أم سيُحبطها؟ الامر مرهون بمتغيرات يصعب كشف ابعادها.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة