رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


"نحن في رحلة وعرة إلى وجهة مجهولة". هكذا وصف الاقتصادي محمد العريان اللحظة التي نعيشها. لم يكن يتحدث عن أزمة عابرة أو تقلبات سوق، بل عن شيء أعمق وأخطر: عالم فقد بوصلته، ولم يعد أحد يعرف إلى أين يسير.
المفارقة أن من يقود هذه الرحلة المجنونة ليس عدوا خارجيا، بل الدولة التي بنت النظام العالمي نفسه.
عندما عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يعد بسياسات تجارية فحسب، بل بمطرقة يضرب بها كل من يقف امامه. الحلفاء قبل الأعداء، المؤسسات قبل الدول.. النتيجة؟ تمرد لم نشهد له مثيلا.
اوروبا وقعت مع الهند اتفاقية تلغي الجمارك على تسعين بالمئة من السلع، كندا اختارت أن تكون جسرا للصين بدلا من جدار للولايات المتحدة، وامريكا الجنوبية باتت تتلقى قروضا صينية بشرط: السداد باليوان. هذه ليست صفقات تجارية عادية، بل أصوات انشقاق عن نظام كان يبدو أبديا.
وهنا تتجاوز المسألة التجارة إلى ما هو أخطر. فالصين لم تكتفِ بتوسيع استخدام عملتها، بل طالبت صراحة باعتماد اليوان كعملة احتياطي عالمي، مستندة إلى واقع جديد لا يمكن تجاهله:
الأرقام تروى القصة بوضوح احتياطيات الدولار العالمية تراجعت إلى 56% فقط، وهو أدنى مستوى في التاريخ الحديث.
في الوقت ذاته، بات نحو 95% من التبادل التجاري بين روسيا والهند والصين يتم بالعملات المحلية، في مشهد يشبه تصويتا جماعيا على فقدان الثقة في العملة التي حكمت العالم لعقود.
الأرقام لا تكذب، لكنها لا تروي القصة كاملة.
الصين، وهي تعيد رسم قواعد اللعبة النقدية، تسحب الذهب من خزائن الغرب بوتيرة غير مسبوقة، حتى إنها حصلت على 153 طناً في شهر واحد، في خطوة تهدف الى تعرية سوق الذهب العالمي.
وهنا تحضر الاستعارة الأدق.
تخيل أنك اشتريت منزلاً، ثم اكتشفت لاحقاً أن نفس العقد مُنح لخمسة أشخاص آخرين، وكلهم يحملون أوراقا مختومة، لكن مفتاحاً واحداً فقط موجود.
هذا هو سوق الذهب اليوم: مقابل كل سبيكة حقيقية، هناك عدة مطالبات ورقية. الصين فهمت أن لحظة الصدام قادمة، فاختارت أن تمسك بالمفتاح، لا بالوعد
الأخطر من كل هذا هو انهيار المؤسسات التي كانت تمسك العالم من التفكك. الأمين العام للأمم المتحدة يحذر من "انهيار مالي وشيك"، بينما واشنطن تقطع التمويل عن الوكالات الأممية واحدة تلو الأخرى.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: ماذا يعني أن تتخلى دولة عظمى عن المؤسسات التي أسستها بنفسها؟
العريان يذكرنا بأزمة ليمان براذرز. قبل الانهيار مباشرة، وضعوا ثلاثة سيناريوهات. السيناريو الأول كانت احتماليته خمسة وثمانين بالمئة، والثالث ثلاثة بالمئة فقط. السيناريو المستحيل هو الذي وقع. اليوم، نحن نعيش لحظة مشابهة: كل المؤشرات تقول إننا ندخل المجهول، لكن لا أحد يعرف كيف سيبدو هذا المجهول.
ربما نكون أمام عالم أكثر توازنا، حيث لا تفرض دولة واحدة إرادتها على الجميع. وربما ندخل فوضى لا تحكمها قواعد ولا تضبطها مؤسسات. الاحتمالان واردان، والنتيجة تعتمد على سؤال واحد: هل لدينا خطة للتعامل مع هذا الطريق الوعر؟ أم أننا ركاب هذا القطار الذى انطلق دون أن يعرف أين المحطة؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة