رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

قال يا مقال

في ظل الطفرة التكنولوجية المتسارعة واقتحام المنصات الرقمية لتفاصيل حياتنا اليومية، باتت قضية حماية الأطفال من مخاطر الفضاء الإلكتروني واحدة من أهم التحديات التي تواجه المجتمعات، ومن هذا المنطلق، جاء قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر بحجب لعبة "روبلوكس" رسميا، كخطوة تستهدف حماية القيم الأخلاقية والتربوية للأطفال، والحد من الآثار النفسية والسلوكية المرتبطة باستخدام المنصة، خاصة في ظل ما أثير حولها من مخاوف تتعلق بالمحتوى غير الملائم للأطفال.

القرار المصري لم يأت من فراغ، بل تزامن مع تحركات دولية لافتة، حيث أعلنت الجهة المعنية بحماية المستهلك في هولندا، قبل أيام قليلة، فتح تحقيق رسمي مع منصة الألعاب بشأن المخاطر المحتملة التي قد يتعرض لها الأطفال أثناء استخدامها، وهو ما يعكس إدراكا عالميا بخطورة بعض المنصات الرقمية التي تقدم تحت غطاء الترفيه، بينما تحمل في طياتها محتوي قد يؤثر سلبا على نفسية وسلوكيات النشء.

ويُعد قرار حجب "روبلوكس" خطوة إيجابية ومهمة في مسار حماية الأطفال من محتوى رقمي قد يحض على العنف أو الانحراف ويفتح أبوابا للتواصل غير الآمن، كما يعكس هذا القرار، وعيا بخطورة ترك الأطفال فريسة لمنصات رقمية غير منضبطة، لا تراعي الخصوصية الثقافية والقيم المجتمعية، ولا تضع سلامة الطفل في مقدمة أولوياتها.

أري أن التحدي الحقيقي لا يكمن في قرار الحجب ذاته، بقدر ما يتمثل فيما يجب أن يليه من سياسات وإجراءات، فالحجب رغم أهميته، يظل أداة مؤقتة إذا لم يكن مدعوما بسياسة رقمية استباقية وشاملة، تقوم على توفير بدائل آمنة وجاذبة للأطفال، تجمع بين الترفيه والتعليم، وتخضع لمعايير واضحة تحمي القيم الأخلاقية وتراعي الصفات النفسية والعمرية للنشء.

كما أن أهمية تفعيل أدوات الرقابة الذكية التي تواكب التطور التكنولوجي المتسارع، إلى جانب إطلاق برامج توعية مستمرة تستهدف الأسر والمدارس، لتعزيز الوعي بالاستخدام الآمن للمنصات الرقمية، الأسرة والمدرسة خط الدفاع الأول في حماية الأطفال، ولا يمكن تحميل الدولة وحدها عبء هذه المسئولية في عصر بات فيه الهاتف الذكي نافذة مفتوحة على العالم بلا حدود.

إن حماية الوعي الرقمي للأطفال مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والأسرة، لذا فإن المعركة الحقيقية هي معركة القدرة على بناء أجيال تمتلك مهارات التعامل الإيجابي مع التكنولوجيا، دون الوقوع فريسة لمخاطرها النفسية والسلوكية.

ومن هنا تأتي الحاجة الملحة إلى استراتيجية وطنية متكاملة للأمن الرقمي للأطفال، تضع الإنسان في صدارة أولوياتها، وتوازن بين حق الطفل في الترفيه والمعرفة، وحق المجتمع في حماية هويته، استراتيجية لا تكتفي بالحظر والمنع، بل تبني وعيا، وتؤسس لمستقبل رقمي آمن، يليق بفلذات أكبادنا .. والله من وراء القصد.

بقلم : محمد إمام
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة