رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

تواجه إسرائيل حالياً واحدة من أسوأ كوابيسها المتمثلة في التحول الديموغرافي "التاريخي" وغير المسبوق منذ استيلائها على الأراضي الفلسطينية، بل ولأول مرة تضافرت عوامل تراجع المواليد وزيادة الهجرة العكسية لتخفض معدل النمو السكاني إلى أدنى مستوياته على الإطلاق. ووفقاً لبيانات مراكز الأبحاث الإسرائيلية (مركز "تاوب")، انخفض معدل النمو السكاني في إسرائيل إلى 0.9% في عام 2025، وهو تراجع حاد مقارنة بالمعدلات التي كانت تتراوح دائماً فوق 1.5% ووصلت أحياناً إلى 2%. هذا يعني أن سرعة ازدياد السكان تباطأت لأقل من النصف.
أبرز عوامل التآكل الداخلي تمثلت في الاستقطاب المجتمعي الحاد (شرخ الهوية) حيث يعيش المجتمع الإسرائيلي انقساماً جوهرياً بين تيارين: الأول، الليبرالي العلماني الذي يخشى على "ديمقراطية" الدولة من التحولات الدينية. والثاني، التيار القومي الديني (والحريديم) الذي يسعى لتعزيز الهوية اليهودية المتطرفة في القوانين والحياة العامة. هذا الانقسام تعمق بشكل غير مسبوق بعد خطة "الإصلاح القضائي" واستمر بالتصاعد حتى عام 2026، مما خلق أزمة ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
كما أدى استمرار حالة عدم استقرار الائتلافات الحكومية إلى تآكل الثقة بالقيادات السياسية والأمنية، وكشفت أحداث السنوات الأخيرة (منذ 7 أكتوبر 2023 وما تبعها) عن فجوة هائلة بين الشارع والقيادة تجلت في توزيع الاتهامات بين المسؤولين على المستويين السياسي والعسكري والصراع على البقاء في الحكم على حساب المصالح الأمنية. وأدى استمرار القتال على جبهات متعددة (غزة، لبنان، سوريا، اليمن وإيران) إلى حالة من الإرهاق الشعبي. فلم تعد الانتصارات السريعة والمجانية متاحة، مما ولد إحباطاً لدى شريحة واسعة من الإسرائيليين تجاه قدرة الجيش على حسم الصراعات بشكل نهائي.
هناك أيضاً أزمة "المساواة في العبء" (قانون التجنيد)، وتُعد قضية تجنيد اليهود (الحريديم) "قنبلة موقوتة" داخل المجتمع. فبينما يتحمل العلمانيون والصهاينة المتدينون عبء الخدمة العسكرية الطويلة في ظل الحروب المتعددة، يرفض الحريديم الانخراط في الجيش، مما أدى إلى شعور بالظلم لدى الفئات التي تخدم في الاحتياط.
أما التدهور الاقتصادي وغلاء المعيشة، فقد دخلت إسرائيل عام 2026 وهي تعاني من تبعات اقتصادية ثقيلة بسبب الحروب الممتدة، مما تسبب في ارتفاع الدين العام إلى مستويات قياسية (نحو 68.6% من الناتج المحلي). وأدى هذا إلى تآكل الدخل الحقيقي مع استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية، الوقود، والضرائب لتغطية العجز العسكري.
وهنا تكفي لغة الأرقام، التي شهدت طفرات غير مسبوقة في كافة عوامل التآكل؛ وسجل عام 2023 هجرة نحو 82,800 إسرائيلي، وهي أعلى نسبة هجرة في تاريخ دولة الاحتلال منذ عام 1948، بزيادة قدرها 44% عن العام السابق. وفي عام 2024، استمر المعدل عند مستويات مرتفعة جداً (نحو 82,700 مغادر)، وفي عام 2025 غادر حوالي 69,300 شخص. لأول مرة منذ عقود، سجلت إسرائيل "ميزان هجرة سلبي" (عدد المغادرين أكبر من عدد العائدين)؛ ففي عام 2025 مثلاً، الذي غادر فيه 69 ألفاً عاد 19 ألفاً فقط. وليست الكارثة في العدد فقط لكن في النوعية أيضاً، فقد كشفت الإحصائيات أن الفئات الأكثر مغادرة هي النخب المثقفة والمهنية، من الأطباء، المهندسين، وأكاديميي الجامعات. وفي قطاع التكنولوجيا (High-Tech) الذي يمثل قاطرة الاقتصاد الإسرائيلي بأكثر من 18% من الناتج المحلي، انتقلت مراكز أكثر من 700 شركة ناشئة مع طواقمها إلى الخارج بسبب عدم الاستقرار.
وفي الوقت الذي تمثل فيه الفئة العمرية بين (20-39 عاماً) نحو 40% من إجمالي المهاجرين، مما يهدد المستقبل الديموغرافي والقوة العاملة، يدخل ما يقرب من 40% من سكان إسرائيل مرحلة الشيخوخة مما يزيد من ترهل المجتمع وزيادة الأعباء على الحكومة في مجالات الرعاية الطبية والاجتماعية.
الأسباب والدوافع الرئيسية التي زادت من معدلات الهجرة العكسية، تمثلت في فقدان الشعور بالأمان وانهيار "عقد الأمان" بين الدولة والمواطن بعد أحداث أكتوبر، كما أن استمرار الرشقات الصاروخية من الخارج وانكشاف ضعف المضادات الصاروخية لإسقاطها، جعل العيش في إسرائيل مخاطرة دائمة. الإرهاق من الخدمة العسكرية وطول أمد الحرب واستدعاء الاحتياط المتكرر دفع بعائلات كاملة للبحث عن حياة هادئة في الخارج (خاصة في أوروبا والبرتغال وقبرص). على الجانب الآخر، تأثرت الرغبة في المجيء إلى إسرائيل، وانخفض عدد المهاجرين الجدد بنسبة تزيد عن 30% في عام 2024 مقارنة بـ 2023.
ومثل لعبة الدومينو، فإن هجرة العقول تؤدي مباشرة إلى انخفاض معدل ضخ الاستثمارات الأجنبية في هذا المجال الذي أصبح فعلياً يعاني نقصاً في الكوادر البشرية الماهرة نتيجة عدم الاستقرار السياسي. فخسارة شخص واحد من نخبة التكنولوجيا في هجرة عكسية لا يمكن تعويضه بمجرد ولادة طفل جديد يحتاج إلى 20 عاماً ليدخل سوق العمل، وقد لا يمتلك نفس المهارات.
التراجع الديموغرافي في إسرائيل لن يدمر قوتها الاقتصادية وحسب، لكن سيمتد مباشرة إلى العصب الحساس للدولة، وهو "جيش الشعب". فالجيش الإسرائيلي يعتمد تاريخياً على الكثافة البشرية والاحتياط لتعويض صغر المساحة الجغرافية. وتعتمد عقيدة الأمن الإسرائيلي على أن "النوع" يعوض "الكم". لكن عندما يبدأ "الكم" في الانكماش الحاد، ويهاجر "النوع" المتميز تقنياً، تصبح الفجوة بين إسرائيل ومحيطها أصغر، مما يضعف قوة الردع على المدى البعيد.
وهنا نصل إلى نقطة مفصلية تتمثل في تآكل قوات الاحتياط، حيث إن الهجرة العكسية غالباً ما تشمل الفئة العمرية (25-45 عاماً)، وهي الفئة التي تشكل قوات الاحتياط، وكل شخص يهاجر يعني خسارة جندي احتياط مدرب لسنوات. في حالات الحروب الطويلة، يصبح فقدان هؤلاء "الاحتياطيين" ثغرة أمنية تجعل الدولة أقل قدرة على الصمود في مواجهة جبهات متعددة. هذا التآكل ليس "انهياراً مفاجئاً"، بل هو ضعف تدريجي في "المناعة الوطنية" والتماسك الذي كان يُميز المجتمع الإسرائيلي تاريخياً عند الأزمات.
وإسرائيل ليست في حالة "انكماش فعلي" لكنها دخلت مرحلة "النمو البطيء جداً". واستمرار الهجرة السلبية وتراجع الخصوبة حتى عام 2030، سيؤدي إلى فقدان الاقتصاد الإسرائيلي جزءاً كبيراً من تنافسيته العالمية، ويتحول من "اقتصاد نمو" إلى "اقتصاد ركود" وربما إلى انهيار في ظل زيادة مواليد الفلسطينيين.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة