في مرحلةٍ ما من العمر، يتوق الإنسان لأن يجد المعنى، فيظن أن الفلسفة ستمنحه مفاتيحه ثم يكتشف، بعد زمنٍ طويل، أن المعنى لا يُدرَك بالتفكير، بل بالتجربة.
والحكمة ليست ما نقرأه في الكتب، بل ما ننجو به من الأيام.
ولعل أجمل ما في الأمر، أن نصل إلى هذه القناعة دون أن نصبح فلاسفة… بل بشرًا فقط.
وقديما قالوا إن الفيلسوف يولد حين يبلغ الإنسان الأربعين، وأنا تجاوزتها بخمسة عشر عامًا ولم يزرني بعد!
ربما أضاع عنواني، أو قرر أن الحكمة لا تليق بي.
على كل حال، لم أعد أنتظر. فالحياة نفسها، بما فيها من صدقٍ وعبث، كافية لأن تجعلني أتفلسف بطريقتي الخاصة: أن أفني مع الأسئلة بدلًا من الإجابة عنها.
وكلنا نحلم أن نصبح فلاسفة.. ان نجد طريقا للحياة… إلى أن ندرك أن الفلسفة مهنة قد ذهبت،. ونعلم أن سقراط مات مسمومًا، ونيتشه قد جنّ، وديكارت شكّ حتى في وجوده. عندها نغلق كتاب الحلم، وربما يقول المرء حينئذ في نفسه: شكرًا، يكفيني عقلي كما هو… بلا حديث فلسفي!
وأصدقك القول كنت أنتظر بمرور الوقت شيئًا من الحكمة. ثمان وخمسون سنة مضت، ولا زال كل ما ينبت هو أسئلة غبية، وشكوك لا طائل منها. يبدو أن الفلسفة قررت تجاهلي رسميًا… ربما لأني لم أقرأ “كانط” حتى النهاية، أو لأني ما زلت أؤمن أن لا حلّ لكل أزمات الوجود على يد الإنسان.
رغم أنهم في سياق وهم النضج قالوا إن الفيلسوف يولد في منتصف العمر، حين يكتشف زيف العالم ويبدأ في طرح الأسئلة الكبرى. أما أنا، فقد وصلت منتصف العمر لا أدري ام آخره ، وكل ما اكتشفته هو أن فاتورة الفكر ألا تكون فيلسوفا مطلقا، وأن الفلسفة في هذا الزمن لا تمنح إلا شعورا اكثر عمقا بالغربة والوحدة.
كنت أظن أن بلوغ الخمسين سيجعلني حكيمًا، أو على الأقل في طريقي للحكمة… لكن كل ما حدث أنني أصبحت أتناول أقراصا للصمت بدلًا من الأفكار العميقة، وأستبدلت التأمل الوجودي بتأمل عديد من العبث والفوضى الروحية. ومع ذلك، لا زلت أكتب، لعل الفلسفة تعرف لي سبيلا عليّ في النهاية، كمنحة طارئة من الحياة.
وربما لم أصبح فيلسوفًا، لأنني لم أتعلم كيف أبدو غامضًا بما يكفي. الفلاسفة يتحدثون كثيرًا ليقولوا القليل، أما أنا فأقول القليل لأهرب من كل شيء. ومع هذا، يصرّ البعض أن يسألني: “ما معنى الحياة؟” فأجيبهم ببساطة: “أن تجد مقعدًا فارغًا في عزلتك آخر النهار.”
وكلما ظننت أنني اقتربت من الحكمة، اكتشفت أنني أضعت المفاتيح في جيب آخر. الفلسفة ليست إجابات، بل متاهة بلا مخارج. وأنا، في هذه المتاهة، اخترت الجلوس على أقرب حجر، أحتسي قهوتي، وأراقب الباقين يفتشون عن معنى الحياة في فنجان بارد.
ويقال إن الفيلسوف يرى ما لا يُرى، ويفهم ما لا يُفهم… أما أنا، فلا أرى شيئًا بعد الساعة العاشرة مساءً من دون نظارتي، ولا أفهم حتى نشرات الأخبار. ومع ذلك، أكتب. ربما الكتابة هي فلسفتي الوحيدة: أن أقول “لا أفهم”، ولكن بطريقة أنيقة.
وكلّ عمرٍ نبلغه يظنّ أنه سيمنحنا سرّ الحكمة، حتى إذا بلغنا عتبته، اكتشفنا أن الأسرار أكثر خفاءً مما نظنّ، وأننا لسنا سوى عابرين في متاهةٍ من الأسئلة.
والفلسفة ربما هي ترف العقل حين يفرغ القلب، أو عبث الروح وهي تبحث عن يقين لا يُمسك. أما أنا، فكل ما وجدتُه بعد الرحلة، أنني لست فيلسوفًا… فقط إنسان يحاول أن يفهم، ويبتسم حين يعجز عن الفهم.
وثمة لحظة في منتصف العمر، نُصغي فيها إلى صمتنا أكثر مما نُصغي إلى العالم. نراجع ما ظننّاه حكمة، فنكتشف أنه كان محض صدفةٍ أو خوفٍ جميل.
هكذا تنضج الفلسفة فينا، لا من الكتب، بل من التعب. ومن بين تعبٍ وتعب، نكتشف أن الحكمة ليست ما نعرفه، بل ما نتوقف عن ادّعائه.
ومن الغريب أنني كنت أظن أن الحكمة كالنبتة، تُثمر تلقائيًا حين يشتعل الرأس شيبًا، فإذا بها كزهرةٍ عنيدةٍ لا تنبت إلا في أرضٍ روّتها الخيبات والفشل بعد فشل.
ربما لم أصبح فيلسوفًا، لكني تعلمت أن لا أبحث عنها كثيرًا… فالفلسفة، مثل السعادة، تهرب كلما فتّشت عنها في ذهاليز العقل بدلا من القلب.
وما بين الذاكرة والفكر خيطٌ خفيّ، يشدّنا إلى ماضٍ نبت فيه الوعي. هناك، حيث الحلم بالحكمة كان أقرب إلى الأسطورة منه إلى الحقيقة.
ومع مرور السنين، صرتُ أرى أن الفلسفة ليست إلا مرآةً للذاكرة، تعكس ما نخشاه من أنفسنا أكثر مما تكشف ما نعرفه عنها.
وليست الفلسفة أن تفهم العالم، بل أن تتصالح مع غموضه.
كلما طال بنا العمر، أدركنا أن ما نظنه معرفة هو مجرّد ضوءٍ خافتٍ في نفقٍ طويلٍ من الحيرة.
وربما تكمن الحكمة، لا في الإجابات، بل في رفرفة السؤال، حين يمرّ من القلب مرور الطيف.
وفي صباحٍ صافٍ من العمر، أدركت أنني لست فيلسوفًا، ولن أكون.. وأن أجمل ما في الإنسان أن يعترف بعجزه عن امتلاك المعنى.. فالحكمة ليست تاجًا، بل لحظة صدقٍ، تمرّ سريعًا كنسمةٍ في منتصف نهارٍ منسيّ.
وربما لا نصبح فلاسفة، لأننا مشغولون جدًا بالحياة نفسها.
نحمل أسئلتنا في أعماق مخفية، وننسى أن نخرجها.
ثم نكتشف متأخرين أن أجمل ما في الفلسفة ليس فهمها، بل العيش ببساطةٍ دونها.
وكلما مضى العمر خطوة، تخيّلنا أن الحكمة في انتظاره، تلوّح لنا من بعيد بثوب الفلاسفة ووقار العارفين.
لكننا حين نصل، لا نجد سوى مرآة تُعيد إلينا وجوهنا كما هي، دون أجنحة ولا هالات.
الفلسفة، يا صديقي، ليست وعدًا بالمعرفة، بل رحلة في العتمة، كلّ ما نهتدي به فيها بصيص صدقٍ نادر، يتوهج لحظة… ثم يخفت في صمتٍ جميل.
وقد خانتنى الذاكرة فعلا، هذه المرة، فلم أتذكر أين قرأت، منذ زمن، أن الفيلسوف الحقيقى يظهر ما بين الأربعين والخامسة والأربعين، من عمره.
حقيقة الأمر، لم أشأ البحث عن مصدر هذه المعلومة، التى سكنت رأسى مؤخرا.. ثم ألقيتها بعيدا. أقنعت نفسي أن من قالها فيلسوف فاشل، وإلا كنت قد تذكرت اسمه، بسهولة. بالطبع ليس سقراط ولا أفلاطون ولا أرسطو.. ولا ديكارت ولا جان بول سارتر، ولا أشباههم.. الدليل الأرجح على الصواب، كان فى يدى. فقد تجاوزت الخامسة والخمسين، هذا العام.. ببساطة شديدة، إنتصف عقدى السادس، ولم تظهر على أية بادرة لفلسفة ولا أيضا أشباهها. شئ محزن ألا تصبح فليسوفا، فى هذا العصر.. ولم تكن من قبل حتى تعرف، ولا من بعد، لتتيقن.. طبعا هذا شئ مقلق للغاية.. لكن يجب ألا تقلق، فى هذه المرحلة العمرية من حياتك.. كيف لا تصبح فيلسوفا؟
الأكثر ترجيحا، أننى وأنت لن نكون، فى يوم من الأيام فلاسفة. ويزداد الأمر قلقا، مع تقدم العمر، إن كان.. فليست مشكلة كبيرة أن عدد الفلاسفة سوف ينقص، واحدا.. أو أن أحد العرب أو العجم لن يقرأ إتجاها فلسفيا جديدا، فى القرن الواحد والعشرين.. عن نفسي لا يتعدى نصيبى من الأمر سوى حب الحكمة.. وتلك لم أطلها هى الأخرى، مطلقا..
وما الحل إذن فى تلك المعضلة، سؤال تافه، وغير مجدى بلا شك.. بالطبع لا تشغل بالك به، أو أن تجعل مثله يدور فى خلدك. وأنصحك ألا تفعل، فبما ستفيدك الفلسفة؟.. وأرجّح مرة أخرى ألا تنشغل بمثل تلك الأمور، واتركها، واحتفظ بعقلك.. لا أقول لك افعل مثلى، فأنا لا أعتنق مثلا الكتابة فى الأمور السياسية.. وهذه طبعا ليست بفلسفة أو بحكمة.. لأنك لو فعلت سنكون إثنين، فى هذا الوطن.. وأنا أحب ألا ينافسنى أحد، فى عدم إنشغالى، على الأقل بعدم المبالاة والكتابة من حيث قلة الفلسفة، والسياسة..
من هنا ربما نعرف سبب لماذا تأخرت أمارات الفلسفة فى الظهور.. وماذا كنا سنفعل بها؟ فليأتى عامك السادس والأربعون إذن، ولا تكون فيلسوفا.. فماذا أعطى أفلاطون ولا أرسطو ولا سقراط، وغيرهم..... للعالم؟!
وهل لأن تكون كاتبا يجب أن تقرأ فى الفسلفة أو تكون فيلسوفا؟
هذه أشياء تافهة وعقيمة، لا تنشعل بها.. إعتنق أو لا تعتنق شيئا! ورحبّ بعقود عمرك ومنتصفاتها، وابتسم شريطة ألا تنتظر رأى مثل من نسيت اسمه.. فقد تكتشف أنك الوحيد الفيلسوف، وأنت لا تعلم! فقط إحتفظ بفلسفتك بنفسك، لنفسك. ومن عدم الفلسفة أن فى ضحوة هذا اليوم الصافى ضوئه، لم أستسلم لإغراء جديد، فلم أضع شيئا.. كانت كل القواعد والمبادئ مكسورة من حولى، كان كل شئ ممكن. كل شئ يقول وينطق بذلك.. إذن، لن أفعل شيئا جديدا..، أجل، لن أضع، هذا اليوم، قاعدة جديدة أكسرها، كما أفعل، دوما. أعرف جيدا ما أستطيعه، وما لا أستطيعه.. إذن، لايجب الإقدام على عمل ثان فى نفس الوقت، أليس كذلك..؟ هكذا دائما أحذر نفسي. ودائما، فى كل مرة، أخالف ما أضعه من قواعد، ساخرا من نفسى. أحادثها، ضع القاعدة كى تكسرها، لا شئ ثابت أو صلب، فالقواعد دائما يتم مخالفتها.. بالطبع، هذا أفضل من لا شئ. الأمر هكذا أكثر إثارة. هذه هى القاعدة الدائمة، التى لا أخالفها..، خالف كل شئ، ولا إستثناء. تلك هى العلاقة الوحيدة الغريبة، التي أقمتها فى سنوات حياتى، مع الأشياء من حولى.. فأكتب، أو لا أكتب.. ودائما القراءة هى الفائزة. هذا هو الإستثناء الوحيد.
إذن كل ما تبقى من الفلسفة الآن، هو أن أكتب عنها دون أن أؤمن بها تمامًا.
فالعقل الذي لم يفلح في أن يكون فيلسوفًا، ربما وُهب موهبةً أخرى: أن يحوّل خيبته إلى حكاية جميلة… تُضحك وتفكر في آنٍ واحد.
لم أصبح فيلسوفًا، لكني تعلمت شيئًا أهم: أن أكثر الفلاسفة حكمة، هم من كفّوا عن التنظير وبدأوا يبتسمون. فالكتابة، في النهاية، ليست بحثًا عن الحقيقة، بل وسيلةٌ لطيفة لتسلية عقولنا وهي تحاول ألا تصاب بالجنون.
ربما لا نحتاج إلى الفلسفة لنفهم العالم، بل إلى قليلٍ من البساطة لنفهم أنفسنا.
وهكذا، بعد كل هذا التفكير، اكتشفت أنني لم أصبح فيلسوفًا… وهذا خبر مريح على أي حال.
فالعقل الذي لا يجد الإجابة، ربما وجد راحته أخيرًا في ألا يسأل كثيرًا.
يكفيني أن أعيش دون نظريات، وأخطئ بصدق، وأضحك على كل حكمة لم تُجرب الحياة بعد.
والآن، وقد تجاوزت الخامسة والخمسين، أدركت أن أجمل أنواع الفلسفة… أن تعرف متى تصمت، ومتى تطفئ عقلك قليلًا، لتستمتع بفنجان قهوة لا يناقشك في معنى الوجود.
الحكمة؟ تركتُها لمن يملك وقتًا فراغًا أكثر.. أما أنا، فوجدتُ أن أفضل ما يمكن فعله في هذا العمر، هو ألا أضع قاعدة جديدة… حتى لا أضطر لكسرها بعد قليل.
تلك، إن شئت، فلسفتي الأخيرة — والأقرب إلى المنطق.
في النهاية، لم أكن فيلسوفًا، ولا نصف فيلسوف.
كنت فقط إنسانًا يحاول أن يفهم قليلاً، ثم يضحك كثيرًا.
وربما في هذا وحده، تكمن الحكمة التي بحثنا عنها طويلًا… واكتشفنا أنها كانت تجلس بجوارنا بصمتٍ طوال الوقت.