بالبنط العريض
قيام الولايات المتحدة باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ليس له أي توصيف غير أنه اعتداء صارخ على سيادة دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة, واعتداء على القانون الدولي ومنظمات المجتمع الدولي التي من شأنها حماية السلم والأمن الدوليين وحماية سيادة الدول على أراضيها, الولايات المتحدة بفعلتها هذه تثبت أن المنطق الوحيد الذي يسود هو منطق القوة وأن مفهوم السيادة في العالم أصبح سرابا وهكذا تتآكل الشرعية الدولية عندما تصبح القوة وسيلة لتغيير الواقع السياسي.
وصفت الولايات المتحدة عمليتها ب "إنفاذ للقانون"، وتتحدث هنا عن قانون الولايات المتحدة فهو وحده الذي تعترف به أما القانون الدولي فلا مكان له في عقل الرئيس ترامب, فاختطاف رئيس دولة بالقوة المسلحة داخل إقليم دولته يذهب أبعد من التدخل التقليدي؛ إنه نزع للولاية السيادية وفرض لسلطة خارجية على رأس الهرم السياسي، وهو ما يجعل مفهوم السيادة نفسه هشا، فإذا كان بالإمكان سحب رأس الدولة بالقوة، فما الذي يبقى من استقلالها السياسي؟
قال الرئيس ترامب إنها "عملية ناجحة للغاية"، وإن الولايات المتحدة ستتولى "إدارة فنزويلا" زاعما أنها "فنزويلا" سرقت نفطا "بنتْه" الولايات المتحدة بـ "الموهبة والعمل والمهارة الأميركية"، واصفا ذلك بأنه "واحدة من أكبر سرقات الممتلكات الأميركية" في تاريخ الولايات المتحدة.
هذه اللغة المتغطرسة كشفت عن السب الحقيقي وهو النفط ليس المخدرات كما تزعم الولايات المتحدة, وبهذا المنطق تتغول الدول الكبرى القوية على الدول الصغرى الضعيفة لنهب ثرواتها بأي مبرر معتبرة أن العالم سيرهب ويصدم أمام الاستعراض العلني للقوة دونما اعتبار للقانون الدولي وفي غيبة من المنظمات التي وجدت في الأساس لضمان تطبيق القانون الدولي وأتحدث هنا عن الأمم المتحدة و أجهزتها المختلفة و تحديدا مجلس الأمن.
الولايات المتحدة التي كانت في طليعة مؤسسي الأمم المتحدة، ووقّعت في عام 1945على ميثاقها، الذي يستند إليه العديد من مبادئ القانون الدولي، بما في ذلك سلامة الأراضي, الآن هي من تخرق هذا القانون على مسمع و مرأى من العالم, فالفقرة الرابعة من الميثاق التي تنص على أنه "يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة, تقول إن أفعال الولايات المتحدة انتهكت القانون الدولي, فكيف تفسر إرسال 150 طائرة إلى دولة أخرى، وقصف دفاعاتها الجوية، واختطاف رئيسها، وقتل عشرات الأشخاص فيها، هذا استعمال للقوة بالمعنى الوارد في المادة الثانية، الفقرة الرابعة.
توجد استثناءات محدودة للشروع في عمل عسكري ضد دولة أخرى أبرزها صدور تفويض من مجلس الأمن الدولي,غير أن هذا التفويض لم يُطلب قبل اختطاف مادورو, والرئيس ترامب شخصيا لا يكترث لمجلس الأمن وتفويضاته, وحتى بعدما جرى ما جرى ماذا سيفعل مجلس الأمن؟ الإجابة المتوقعة لاشيء, حيث يظل "الفيتو" الذي يمتلكه الأعضاء الخمسة الدائمون في المجلس الصين، وفرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة، و"الولايات المتحدة طبعا" هو آفة المجلس ويمنح هؤلاء الخمسة القدرة على عرقلة أي قرار، حتى لو كان هناك توافق عام بين الأعضاء الآخرين, وهذا يمنع المجلس من اتخاذ إجراءات فعالة في العديد من الأزمات، خاصة عندما تكون الدول دائمة العضوية طرفًا في النزاع, واستخدم الفيتو منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، عدد 293 مرة, فاستخدمه الاتحاد السوفيتي ووريثته روسيا 143 مرة، والولايات المتحدة 83 مرة وبريطانيا 32 مرة و فرنسا 18 مرة، بينما استخدمته الصين 16 مرة.
معضلة أخرى تواجه مجلس الأمن تتمثل في أن عدد الأعضاء الحاليين "الخمسة عشر" لا يتناسب مع التمثيل العادل للدول في المجتمع الدولي، حيث لا تعكس العضوية الحالية في المجلس التوازن العالمي في القوى السياسية والاقتصادية, هذا يؤدي إلى شعور بالظلم وعدم الشرعية لدى بعض الدول.
أتصور أن العالم مقبل لا محالة على مرحلة من الفوضى ستوجدها صراعات القوى بين القديمة التقليدية والجديدة الصاعدة, وتلك التي كانت قوية وتوارت وتريد الآن استعادة أمجادها, وستفضي هذه الفوضى بعد فترة ليست بالقصيرة إلى معادلة جديدة لتوازن القوى الدولية تستوجب معها إعادة النظر في منظمات المجتمع الدولي التي فقدت صلاحيتها وستوجد آلية جديدة لضمان تطبيق القانون الدولي وحماية سيادة الدول.