رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


لم يكن اعتقال رئيس فنزويلا مجرد مشهد درامي في قارة بعيدة، بل كان إعلانًا عالي الصوت بأن الاقتصاد حين يُدار بيد مرتعشة، والسياسة حين تُساق بلا رؤية، والدولة حين تربط مصيرها بعائد واحد، تاركة بقية القطاعات تتآكل بصمت، فإن الانهيار يقع فجأة، ويقع على الجميع. إن فنزويلا التي امتلكت أكبر احتياطي نفطي في العالم، سقطت في فخ صنعته بنفسها؛ فالاعتماد الكلي على النفط، مع إهمال الإنتاج الحقيقي في مجالات الصناعة والزراعة وغيرهما، وتضخم شبكة الفساد حتى تحولت من حلقات منفصلة إلى منظومة كاملة تحاصر رأس الدولة. ومع مرور السنوات أصبحت الدولة شجرة كثيفة الأوراق من الخارج، لكنها جوفاء من الداخل.
ومن هنا جاء اعتقال الرئيس تتويجًا لصراع داخلي طويل، شاركت فيه جهات من داخل النظام نفسه؛ بعضها امتلك ملفات حساسة تتعلق بفساد مالي وتجاوزات سياسية، وبعضها امتلك معلومات عن تواصلات مريبة مع أطراف أجنبية. لم يكن انقلابًا مكتمل الأركان، بل كان أقرب إلى انهيار ذاتي لنظام يتآكل ببطء، ثم ينهار دفعة واحدة عندما تسقط الحلقة التي كانت تمسكه من الداخل.
الولايات المتحدة لم تكن سببًا مباشرًا في سقوط نيكولاس مادورو سياسيًا، لكنها كانت طرفًا مؤثرًا في المرحلة التالية. فسقوط مادورو بدأ من الداخل نتيجة فساد وصراعات وانقسامات داخل النظام، وشبكات نفوذ انقلبت عليه في اللحظة الحاسمة. هذا الانهيار الداخلي هو الذي فتح الباب أمام واشنطن للتحرك. بمعنى آخر: مادورو سقط سياسيًا من الداخل أولًا… ثم جرى اعتقاله من الخارج لاحقًا. ولم تكن واشنطن هي من صنع الأزمة، لكنها كانت أول من وجد مدخلًا لاستغلالها.
وعندما سقطت الحماية الداخلية، استغلت الولايات المتحدة الفراغ ونفذت العملية الفعلية للقبض عليه. فلم يكن الأمر مجرد تهويل إعلامي، بل عملية عسكرية وأمنية فعلية أعلن الرئيس ترامب بنفسه عن نجاحها. وبينما تؤكد الإدارة الأمريكية أن الأمر مرتبط باتهامات تتعلق بالمخدرات والإرهاب، يرى مراقبون أن هذه الاتهامات لم تكن سوى غطاء قانوني، بينما السبب الحقيقي هو اللحظة السياسية التي جعلت التدخل أسهل من أي وقت مضى. فالداخل أطاح به… والخارج اعتقله.
أما الصين وروسيا، ورغم حضورهما في المشهد الفنزويلي، فإن دورهما لم يكن سببًا مباشرًا لما حدث. فالصين كانت مهتمة بالديون وسداد التزاماتها أكثر من اهتمامها بالصراع الداخلي. أما روسيا فساندت النظام سياسيًا خلال السنوات الماضية، لكنها لم تملك القدرة ولا الرغبة في منع الانهيار عندما بدأ من الداخل، لأن تكلفة التدخل أعلى من المكاسب، ولأن النفوذ في دولة مفلسة لا يساوي شيئًا. لذلك فإن الحديث عن خطة صينية أو روسية وراء سقوط الرئيس لا يستند إلى معطيات حقيقية.
اقتصاديًا جاء الاعتقال كشرارة أعادت هزّ الأسواق العالمية، ليس لأن فنزويلا مؤثرة فعليًا في إنتاج النفط اليوم، بل لأن العالم يتعامل مع إشارات الخطر قبل وقوعها. إن مجرد اضطراب جديد في دولة نفطية، حتى لو كان إنتاجها متراجعًا، يرفع المخاوف، ومع المخاوف ترتفع الأسعار. وهذه الموجة تمتد في دوائر متشابكة: دول تستورد الطاقة تتلقى صدمة، دول مصدّرة تستفيد، ودول تبحث عن استثمارات مستقرة تعيد حساباتها سريعًا. وفي عالم يبحث فيه المستثمرون عن أرض ثابتة وسط اضطراب الأسواق تتغير خرائط النفوذ بسرعة غير مسبوقة.
وعندما تُعاد خريطة النفوذ الاقتصادي إلى الصفر، تبحث الدول عن ملاذات آمنة، وفي هذه اللحظة تحديدًا تظهر مصر كلاعب مهم ومحوري. فالعالم حين يبحث عن أسواق مستقرة، وعن دول قادرة على استيعاب رؤوس الأموال المتنقلة بسبب التوترات المتسارعة، فإنه يتجه إلى الدول التي تعيد بناء بنيتها اللوجستية وتفتح أبوابها للصناعة. ومصر خلال السنوات الأخيرة بدأت بالفعل في إعادة تشكيل نفسها اقتصاديًا عبر مسارات واضحة: إنشاء موانئ جديدة، تطوير الموانئ القائمة، بناء مناطق لوجستية تربط بين البحرين الأبيض والأحمر والداخل، الاهتمام بخطوط الشحن، وتوسيع شبكة الطرق التي أصبحت جزءًا من بنية قادرة على استقبال المصانع وليس مجرد المرور العابر.
وتزامن هذا مع تحولات أوروبية لافتة. فبريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي عام 2020 ازدادت حاجتها للبحث عن قواعد تصنيع خارج القارة لتقليل القيود الجمركية والبيروقراطية. ومع سعيها لإعادة تموضع سلاسل الإنتاج توجهت إلى مصر باعتبارها موقعًا يوفر استقرارًا سياسيًا وممرات بحرية فريدة وتكلفة تشغيل أقل. وهذا التوجه لم يكن لبريطانيًا فقط، بل تبعته دول أوروبية أخرى بدأت بالفعل في نقل خطوط إنتاج وفتح مصانع في مصر، لأن المرحلة الاقتصادية المقبلة لا تبحث فقط عن الأرخص، بل عن الأكثر أمنًا واستقرارًا.
هذه التحولات تمنح مصر ميزة مضاعفة في ظل الارتباك العالمي الذي خلقه المشهد الفنزويلي. فبينما تتراجع ثقة المستثمرين في دول كانت تعدّ مستقرة، تتحول مصر إلى مكان أكثر قدرة على استقبال استثمارات تبحث عن بيئة آمنة ومنظمة وقريبة من الأسواق الأوروبية والشرق أوسطية والأفريقية في وقت واحد.
إن الأزمات لا تؤذي الجميع بالقدر نفسه؛ بعضها يفتح أبوابًا جديدة أمام الدول التي استعدت مبكرًا، ومصر الآن تبدو إحدى تلك الدول.
في النهاية ما حدث في فنزويلا لم يكن حدثًا عابرًا. إنه درس عالمي مكتوب بوضوح:
إن الثروة وحدها لا تحمي دولة، والموارد لا تبني نظامًا، والنفط لا يضمن استقرارًا ما لم يدعمه اقتصاد متنوع وإدارة شفافة ومؤسسات قوية. سقوط الرئيس لم يكن النهاية، بل بداية مرحلة أكثر صعوبة على فنزويلا ، وعلى العالم الذي يتعامل مع كل اضطراب كأنه موجة جديدة في بحر لا يهدأ. وبينما تعيد دول كثيرة حساباتها، يجد الشرق الأوسط، ومصر تحديدًا، نافذة جديدة لإعادة التموضع في قلب الخريطة الاقتصادية العالمية.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة