شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات دولية غير مسبوقة، أعادت تعريف مفاهيم القوة والأمن القومي، فلم تعد الموازنات التقليدية بين القدرات العسكرية والاقتصادية وحدها كافية لضمان أمن الدول وحماية مواطنيها، وأضحي الأمن القومي مفهومًا مركبًا وشاملًا، يتجاوز الردع الصلب إلى أبعاد أكثر عمقًا، تشمل الاستقرار السياسي والاجتماعي، وبناء الوعي الجمعي، وتعزيز الصورة الذهنية للدولة على الساحة الدولية، فضلًا عن قدرتها على حماية مصالحها الحيوية في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
وتعد الدبلوماسية الرئاسية المصرية كأداة استراتيجية فاعلة، نجحت في المزج المتوازن بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية، واضعة الاستثمار في الإنسان في صميم مشروع البناء والتنمية، باعتباره خط الدفاع الأول عن الدولة، وقد أسهم هذا النهج الشامل في تعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية، ودعم استقرارها الداخلي، وترسيخ رؤية متكاملة للأمن القومي تقوم على التنمية المستدامة، والشراكات الدولية المتوازنة، وحماية الدولة والمجتمع.
ووضعت الدولة المصرية الإنسان في قلب استراتيجيتها الدبلوماسية كمكون أساسي للأمن القومي الشامل والمصدر الأهم للقوة الناعمة، وانطلاقًا من هذا التصور، عملت السياسات الرئاسية على تعزيز منظومات الحماية القانونية والاقتصادية والاجتماعية للمصريين في الداخل والخارج، بما أسهم في ترسيخ صورة الدولة الراعية لمواطنيها، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسسات دولته، وهو ما يشكل أساسًا فاعلًا للدبلوماسية العامة الحديثة.
وقد تجلت هذه الرؤية في المبادرات الرئاسية الداعمة للعمالة المصرية، وحماية حقوقها الاقتصادية والاجتماعية، والاهتمام بالجاليات المصرية باعتبارها امتدادًا مجتمعيًا وثقافيًا للدولة في الخارج، وقناة أساسية لنقل الصورة الذهنية الإيجابية عن مصر، فالمواطن المصري، حين يحظى بالأمان والاستقرار والكرامة الإنسانية، يتحول إلى سفير غير رسمي لوطنه، يساهم في تعزيز مكانته الإقليمية والدولية عبر التفاعل اليومي، والنجاح المهني، والاندماج الإيجابي في المجتمعات المضيفة، فالإنسان القادر على العيش الكريم، والمتسلح بالعلم والعمل والوعي، يمثل خط الدفاع الأول عن الدولة، وأحد أهم أدوات قوتها الناعمة وفاعلًا محوريًا في الدفاع عن مصالح الدولة وتعظيم حضورها في المحافل الدولية
وتؤكد التجربة المصرية أن الدبلوماسية الفعالة تستهدف حماية الدولة وصون مصالحها الاستراتيجية في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، وقد أظهرت الرئاسة المصرية قدرة لافتة على إدارة الملفات الإقليمية الحساسة، بما في ذلك الأزمات والنزاعات الحدودية، والتوترات السياسية الممتدة في الشرق الأوسط وأفريقيا، عبر مقاربة متوازنة جمعت بين الحزم السياسي، والمرونة الدبلوماسية، والحفاظ على ثوابت الأمن القومي، بما عزز موقع مصر الإقليمي ودورها كفاعل رئيسي في معادلات الاستقرار.
وقد أدركت القيادة المصرية أن الدبلوماسية أصبحت إحدى أدواتها الرئيسية، فالمفاوضات واللقاءات الرئاسية المتعلقة بجذب الاستثمارات الأجنبية، وإطلاق المشروعات القومية الكبرى، تعكس رؤية واضحة لربط الأمن الاقتصادي بالأمن القومي الشامل، باعتبار أن قوة الدولة الخارجية تستند إلى متانة بنيتها الاقتصادية الداخلية، ويتجلى ذلك بوضوح في مشروعات استراتيجية كبرى مثل تطوير محور قناة السويس، والتوسع في محطات الطاقة المتجددة، وإنشاء المناطق الصناعية المتخصصة.
وشكلت الدبلوماسية الرئاسية دورًا محوريًا كوسيط فاعل بين الدولة والمستثمرين الدوليين، بما يحقق توازنًا دقيقًا بين جذب رأس المال الأجنبي، وضمان حقوق العمال، وحماية مصالح المجتمع المحلي، وبهذا النهج، تحولت الدبلوماسية الرئاسية إلى أداة تنموية بقدر ما هي أداة سياسية، تسهم في توظيف العلاقات الدولية لخدمة أهداف التنمية المستدامة، وتحسين جودة حياة المواطنين، وترسيخ مفهوم شامل للأمن القومي يقوم على التكامل بين الاستقرار السياسي، والقوة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية.
وقد اعتمدت الدبلوماسية الرئاسية المصرية على البعد الثقافي والحضاري، كأحد أهم أدوات القوة الناعمة في حماية الدولة وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، فمصر، بما تمتلكه من إرث حضاري وثقافي ممتد، ومكانة راسخة كمركز للفكر والتنوير والإبداع، نجحت في توظيف هذا الرصيد التاريخي والمعنوي لتعزيز نفوذها، وبناء صورة ذهنية وطنية قوية تقوم على قيم التسامح، والانفتاح، والحوار الحضاري، واحترام التعددية الثقافية، ومن ثم تحولت أدوات مثل الفن، والإعلام، والتعليم، والشراكات الأكاديمية والثقافية الدولية إلى قنوات فاعلة للدبلوماسية العامة، أسهمت في ترسيخ صورة الدولة الحديثة، وشكلت درعًا ناعمًا يحميها من حملات التشويه الإعلامي، والخطابات المضللة التي تستهدف النيل من استقرارها الداخلي أو تشويه دورها الإقليمي.
وقد أدركت الدولة المصرية، في وقت مبكر ومع تسارع التحولات التكنولوجية واتساع نطاق الفضاء الرقمي، الأهمية الاستراتيجية للدبلوماسية الرقمية كأداة فاعلة لحماية وتصحيح الصورة الذهنية لمصر، وتعزيز الوعي الدولي بقضاياها الوطنية والإقليمية، وقد جرى توظيف هذه الدبلوماسية الحديثة في مواجهة الحملات المضللة، والتصدي للشائعات العابرة للحدود، ونشر القيم الوطنية الإيجابية، وبناء خطاب تواصلي يعكس حقيقة الدولة المصرية، فضلًا عن ربط الرأي العام الدولي بأهداف التنمية المستدامة ومشروعات الدولة الكبرى، بما يعزز مصداقيتها ومكانتها الدولية.
ونجحت مصر في بلورة استراتيجية متكاملة تقوم على الربط العضوي بين الدبلوماسية الداخلية والخارجية، إدراكًا بأن قوة الدولة في الخارج تنبع أساسًا من تماسكها في الداخل، فتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية، وتحديث التشريعات، وتحسين جودة الخدمات العامة، وتوسيع دوائر المشاركة السياسية والمجتمعية، وإشراك المجتمع المدني في مسارات الحوار الوطني، جميعها عناصر تسهم في دعم الموقف التفاوضي للدولة على الساحة الدولية، وتمنح خطابها الدبلوماسي مصداقية واستدامة، وبذلك يتأسس مفهوم الأمن القومي المصري على معادلة شاملة تصان فيها الدولة بالمعاهدات والاتفاقيات وتحمى أيضًا بمواطن واعٍ، وجبهة داخلية صلبة، ومؤسسات قوية قادرة على صون حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وترسيخ الاستقرار المجتمعي.
وتمثل الدبلوماسية الرئاسية المصرية نموذجًا متقدمًا للتفكير الاستراتيجي المبتكر، يقوم على المزج الواعي بين الخبرة التاريخية للدولة المصرية ومتطلبات الحاضر واستشراف تحديات المستقبل، حيث تسعى إلى بناء آليات طويلة الأمد قادرة على حماية الدولة من التهديدات التقليدية وغير التقليدية، وتعزيز قدرة المواطن على العيش الكريم والمشاركة الفاعلة في مسارات التنمية الشاملة.
وقد قدمت مصر نموذجًا رائدًا في دمج السياسة الخارجية ضمن رؤية قومية شاملة، تجعل من الدبلوماسية قوة ناعمة استراتيجية تسهم في حماية الإنسان، وترسيخ دعائم الأمن القومي، وبناء دولة قوية قادرة على الصمود، وبهذا النهج، تتجه الدولة المصرية نحو مستقبل يقوم على التنمية المستدامة، وتعظيم دور الإنسان باعتباره محور البناء، وترسيخ موقع مصر كقوة إقليمية فاعلة وقيادة مؤثرة على المستويين الإقليمي والدولي، بما يعكس قدرة الدولة على التكيف الخلاق مع التحولات العالمية، وصياغة دورها الدولي من موقع الفاعلية.
بقلم
أ.د/ مها محمد عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر