رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الخط المفتوح


تحولت السوشيال ميديا في سنوات قليلة من مجرد وسيلة للتواصل بين الأصدقاء إلى منبر مفتوح يتحدث فيه الجميع عن كل شيء، دون حواجز أو معايير واضحة. هذا التحول السريع جعلها ساحة واسعة للتعبير، لكنه في الوقت ذاته كشف عن أزمة عميقة تتعلق بغياب الضوابط، واختلاط الحرية بالفوضى، والرأي بالمعلومة، والحقيقة بالشائعة.
في الأصل، جاءت منصات التواصل الاجتماعي لتقريب المسافات، وتسهيل تبادل الأفكار، وإتاحة الفرصة لمن لا صوت لهم أن يعبروا عن أنفسهم. غير أن هذا الهدف النبيل اصطدم بواقع جديد؛ حيث أصبح أي شخص قادرًا على أن ينصب نفسه خبيرًا، أو واعظًا، أو محللًا سياسيًا، دون علم أو مسؤولية. ومع غياب الرقابة المهنية، باتت الكلمة تُنشر قبل أن تُفكر، وتُتداول قبل أن تُتحقق.
أخطر ما في هذا “المنبر بلا ضوابط” هو انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة. خبر غير صحيح قد يشعل فتنة، أو يهز الثقة في مؤسسات، أو يثير الخوف والبلبلة بين الناس. المشكلة لا تكمن فقط فيمن يصنع الشائعة، بل فيمن يعيد نشرها دون وعي، وكأن الضغط على زر “مشاركة” فعل بريء لا تبعات له، بينما هو في الحقيقة مسؤولية أخلاقية ودينية وقانونية.
كما أسهمت السوشيال ميديا في تراجع قيمة الحوار. بدلاً من الاختلاف المحترم، سادت لغة السباب والتخوين، وتحول النقاش إلى معركة، وكل طرف يرى نفسه مالكًا للحقيقة المطلقة. هذا المناخ المشحون أنتج أجيالًا تعتاد الصراخ أكثر من الإصغاء، وتفضل الانتصار الوهمي في التعليقات على الوصول إلى فهم مشترك.
ولا يمكن تجاهل تأثير هذه المنصات على منظومة القيم. الشهرة أصبحت هدفًا في حد ذاتها، حتى لو كانت عبر الإساءة أو الابتذال أو خرق الخصوصيات. البعض لا يتردد في عرض حياته الخاصة، أو تشويه الآخرين، فقط من أجل “الترند” وزيادة المتابعين. ومع الوقت، يختلط النجاح الحقيقي بعدد الإعجابات، وتُقاس القيمة الإنسانية بمعدل المشاهدة.
ومع ذلك، فإن المشكلة ليست في السوشيال ميديا ذاتها، بل في طريقة استخدامها. فهي أداة، يمكن أن تكون وسيلة للبناء كما يمكن أن تكون أداة للهدم. رأينا كيف استخدمت في نشر العلم، والدعوة إلى الخير، ودعم القضايا الإنسانية، وكشف الفساد. لكنها تحتاج إلى وعي يحكمها، وأخلاق تضبطها، وقوانين تردع من يسيء استخدامها.
إن ضبط هذا المنبر المفتوح لا يعني تكميم الأفواه أو مصادرة حرية التعبير، بل يعني ترشيدها. يعني أن نُعيد الاعتبار لقيمة الكلمة، وأن نُفرِّق بين النقد والتجريح، وبين الحرية والفوضى. يبدأ ذلك من الفرد، مرورًا بالأسرة، وصولًا إلى المدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية.
في النهاية، ستظل السوشيال ميديا جزءًا لا يتجزأ من حياتنا المعاصرة، لكن التحدي الحقيقي هو: هل نتركها منبرًا بلا ضوابط، أم نحولها إلى مساحة واعية تساهم في بناء الإنسان والمجتمع؟ الإجابة مرهونة بمدى قدرتنا على امتلاك الوعي قبل امتلاك الهاتف.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة