رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

"خلف الأبواب المغلقة في منتجع 'مارالاغو'، يبدو أن التاريخ يُكتب من جديد بصفقات لم تُعلن تفاصيلها بعد، لكن دويّها بدأ يتردد من أزقة غزة إلى شوارع طهران المحتجة. لم يكن لقاء ترامب ونتنياهو مجرد اجتماع عابر، بل كان إشارة البدء لعملية إعادة صياغة شاملة للشرق الأوسط؛ حيث تلتقي طموحات إسرائيل في 'تحييد' الخطر النووي الإيراني مع رغبة ترامب في حسم ملف غزة كأكبر انتصار سياسي له.
بين صفقات طائرات (F-15IA) العملاقة، وعودة هتافات 'الملكية' إلى شوارع إيران، وبروز 'ستارلينك' كسلاح جديد في أيدي المتظاهرين.. هل نحن أمام إعادة إنتاج لسيناريو عام 2003 في العراق؟ أم أن طهران تملك في جعبتها 'ورقة أخيرة' قد تحرق الأخضر واليابس؟
فعلياً لا نزال نجهل ما تم الاتفاق عليه هناك في منتجع "مارالاغو" بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لكن النتائج بدأت تتجلى معالمها. ويبدو أن ملخص اللقاء منح إسرائيل ضوءاً أخضر في إيران التي تمثل هاجسها الأكبر في المنطقة نظراً لسعيها الدؤوب لصنع قنبلتها النووية الأولى، وفي المقابل موافقة تل أبيب على تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة الذي يمثل ذروة انتصارات ترامب.
المعطيات المتوفرة هي التي تشير إلى النتيجة السابقة؛ ففي البداية وبعد الاجتماع مباشرة، قال ترامب إن منتصف يناير الجاري سيتم خلاله الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من اتفاقية غزة. وفعلياً على الأرض، بدأت خطوات عملية لإعادة بناء القطاع دون إعلان عام، ودون إطار تعاقدي واضح؛ حيث أكد صندوق قطر للتنمية استئناف العمليات في مستشفى حمد في شمال قطاع غزة، وفي الوقت نفسه افتتاح فرع جديد في جنوب غزة. كل هذا تم برغم اعتراضات إسرائيلية سابقة على دور الدوحة في الوساطة مع حماس. حتى في المؤسسة العسكرية، تراجعت إلى حد كبير تصريحات وزير الدفاع كاتس الرافضة للدخول في المرحلة الثانية قبل نزع سلاح المقاومة واسترجاع جثة آخر رهينة.
على الجانب الآخر، كان المشهد يتهيأ لحدث جلل.. فحتى قبل انتهاء اجتماع "مارالاغو" بدقائق، منحت وزارة الدفاع الأمريكية شركة بوينغ عقداً بقيمة 8.6 مليار دولار لإنتاج 25 طائرة مقاتلة من طراز F-15IA لإسرائيل، مع خيار إضافة 25 طائرة أخرى. وأشار البنتاغون إلى أنه تم تخصيص 840 مليون دولار من أموال المبيعات العسكرية الفيدرالية لبدء تنفيذ العقد. هذه الصفقة سعى إليها العسكريون الإسرائيليون لضمان تفوقهم الجوي بعد صفقة طائرات F-35 المحتملة للسعودية. أما في إيران، الطرف الآخر ضمن الصفقة، فقد بدت الساحة فيها جاهزة؛ أزمة اقتصادية طاحنة بسبب استمرار العقوبات، وزادت وطأتها بعد حرب الـ12 التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة العام الماضي، ونقص حاد في المياه شمل العاصمة طهران وكبرى المدن بعد موجة جفاف لم تشهدها البلاد من قبل، وزاد من وقع الأزمة على المواطنين التراجع الحاد في سعر العملة الوطنية. كل هذا أدى لمظاهرات حاشدة تعد الأعنف منذ 3 سنوات بدأها التجار وحالياً انضم إليها طلاب الجامعات، واعتدوا فيها على المنشآت الحكومية، ووقعت مصادمات مع قوات الأمن سقط فيها العشرات بين قتيل وجريح.
وبعكس مظاهرات عام 2009، حينما رفض وقتها الرئيس الأمريكي باراك أوباما التدخل واتخذ موقفاً محايداً سعياً منه لتجنب منح طهران ذريعة لتصنيف الاحتجاجات على أنها مدعومة من الخارج، أذهل دونالد ترامب الإيرانيين ووجه رسالة حادة إلى آية الله خامنئي. وأعلن في بيان نشره على شبكة التواصل الاجتماعي "تروث سوشيال": "إذا أقدمت إيران على إطلاق النار بعنف وقتل متظاهرين سلميين، كما جرت عادتها، فإن الولايات المتحدة ستتدخل لنجدتهم". وأكد الرئيس على جاهزية القوات الأمريكية للتحرك الفوري، مصرحاً: "نحن في حالة تأهب واستعداد تام للعمل". واختتم الرئيس تصريحاته بنداء إلى الجمهور قائلاً: "شكراً لكم على اهتمامكم بهذا الأمر". وبرغم أن هذا الإعلان يمكن استغلاله بأنه تدخل خارجي سافر ويلهب الذاكرة الجماعية الإيرانية بتداعيات انقلاب عام 1953 الذي دعمته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية على رئيس الوزراء محمد مصدق لعودة شاه إيران؛ لذلك عندما يتهم القادة الإيرانيون الولايات المتحدة وإسرائيل بتحريض الاحتجاجات، فإنهم لا يختلقون رواية من العدم، بل يستحضرون حادثة حقيقية لا تزال أصداؤها تتردد. تضفي هذه الحادثة على مزاعم النظام بالتدخل الأجنبي مصداقيةً، وكأنها واقعٌ مألوفٌ لم يكن ليوجد لولاها.
إلا أن الأحداث القادمة ربما تشبه البارحة، ففي المقابل هناك تمهيد لإيجاد بديل في حال سقوط النظام الديني تحت وطأة الأحداث الجارية الآن. فبينما خرج المتظاهرون إلى شوارع إيران هذا الأسبوع، وسط هتافات الغضب ضد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي والاستياء من انهيار الاقتصاد، عاد شعار كان يعتبر في السابق غير قابل للنطق سياسياً، وملأت أصوات الحشود التي تهتف به الأجواء. وأظهرت مقاطع فيديو مُرسلة من داخل إيران متظاهرين يهتفون علناً تأييداً لسلالة بهلوي، التي تعيش في المنفى منذ سقوط الشاه الأخير، محمد رضا بهلوي، إلى جانب دعوات لإسقاط الجمهورية الإسلامية. بالنسبة لنظام بُني على الإطاحة بالملكية ومحو إرث بهلوي، يُعد هذا الهتاف تهديداً وجودياً؛ إنه مؤشر على أن الغضب قد تجاوز مجرد السخط على السياسات الاقتصادية أو الشخصيات، واتجه نحو رفض الجمهورية الإسلامية نفسها.
أما بالنسبة لإسرائيل، فالمعضلة أكثر حدة. من الواضح أن القدس سترحب بنظام مختلف في طهران، نظام لا يضخ الموارد في حزب الله وحماس والصواريخ الباليستية الموجهة إلى المدن الإسرائيلية، لكن تورط إسرائيل بحد ذاته أمرٌ محفوف بالمخاطر. أوضح نتنياهو الأمر بدقة هذا الأسبوع في مقابلة مع قناة "نيوزماكس"، وقال إن التغيير في إيران "سيأتي من الداخل".
وكما تزعم تل أبيب، فإن العقوبات وحدها لا تكفي لإسقاط النظام، بل ينبغي تعزيزها بالدعم التقني للمتظاهرين. ومن بين سبل تحقيق ذلك ضمان الوصول إلى الإنترنت من خلال توفير أدوات لتجاوز الرقابة، مثل برنامج Psiphon، وأجهزة اتصال عبر الأقمار الصناعية، مثل Starlink. وهذا يُمكّن المتظاهرين من مواجهة قدرة النظام على عزلهم، وتنسيق حملات القمع، والتحكم في الرواية العامة. أيضاً استهداف وحدات الحرس الثوري وليس بالضرورة القيام بعمل عسكري ضدها، بل يعني تحديد العقوبات بدقة: تسمية قادة الحرس الثوري وقوات الباسيج في المحافظات الذين يأمرون بإطلاق النار على المتظاهرين أو يقومون بعمليات اعتقال جماعية، وتجميد أصولهم في الخارج، وتقييد سفرهم. والهدف من ذلك هو تقويض قدرة النظام على القمع من خلال زيادة التكلفة الشخصية والمؤسسية لمن ينفذون حملات القمع.
إذا كان هذا ما تنوي إسرائيل القيام به بالتعاون مع إدارة ترامب لتغيير النظام في إيران، فإن الأخيرة لا تزال بيدها ورقة أخيرة بإشعال المنطقة بشن هجمات صاروخية على إسرائيل أو أهداف أمريكية في البحر والبر بما في ذلك منطقة الخليج، وهنا سنكون أمام مشهد يذكرنا بحرب احتلال العراق.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة