رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معًا للمستقبل

مع انطلاق العام الجديد الذي وُلِدَ منذ ساعات، يجد الإنسان نفسه في مواجهة صامتة مع الزمن، لا ليعدّ ما انقضى من الأيام، بل ليحصي ما بقي في الروح من وعي وتجربة ونضج. فالسنون لا ترحل فارغة، إنما تترك فينا أثرها؛ بعضه تجارب صعبة علّمتنا، وبعضه أفراح أيقظت فينا الشكر، وبعضه خيبات كشفت لنا حقيقة الناس والأشياء. وتلك اللحظة الفاصلة بين عامين ليست محطة حزن ولا احتفال، بقدر ما هي لحظة مراجعة صادقة، يُعاد فيها النظر إلى المسار: هل كنّا أقرب إلى ذواتنا؟ هل اقتربنا من الحق أم ابتعدنا عنه؟ وهل خرجنا من العام أكثر حكمة أم أكثر تكرارًا للأخطاء وإصرارًا عليها..؟!
يمضي الزمن ثابتًا في حركته، لكن الإنسان هو المتغير، يربح أو يخسر بقدر ما يعي ويعمل. وقد أقسم الله بالزمن تنبيهًا إلى خطورته لا إلى فنائه، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، والخسارة هنا ليست في تعاقب الأعوام، بل في أن تمرّ ولا تترك في النفس إيمانًا أرسخ ولا عملاً أصلح. وفي كل مطلع عام تتجدد الأحلام، ويكبر الرجاء في واقع أفضل، غير أن الأماني إذا لم تُسند بإرادة وعمل تحولت إلى وهم جميل لا أكثر. وقد وضع النبي ﷺ حدًا فاصلًا بين الرجاء الحقيقي والتمني الكاذب حين قال: «الكَيِّسُ مَن دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ»، فالعاقل لا ينتظر الأعوام أن تغيّره، بل يبدأ هو بالتغيير من داخله.

ومع الأحلام، تسكن المخاوف في زوايا القلب: خوف من الفقد، من التكرار، من الخذلان، من مستقبل غامض. غير أن التجربة تعلمنا أن أكثر ما أخافنا لم يحدث، وأن ما حدث كان أهون مما تصوّرنا، وأن الله كان حاضرًا في كل مرة ظننا أننا وحدنا. فالخوف حين يتجاوز حدّه يصبح عبئًا يثقل الروح، بينما الإيمان يحرر القلب ويمنحه طمأنينة التوكل على من بيده الأمر كله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وهكذا يصبح العام المنصرم مدرسةً لا تُقاس دروسها بعدد النجاحات، بل بعمق الفهم الذي خلّفته الخسائر والدروس التي استخلصناها من التجارب والأخطاء.
وتتضح مع مرور الأعوام حكمة العلاقات الإنسانية، فليس كل من اقترب صادقًا، ولا كل من غادرنا وتخلى عنا خسارة. فبعض الغياب حماية ونعمة، وبعض البقاء امتحان وابتلاء.

وعلى مستوى الشأن العام، لا ينفصل الرجاء الشخصي عن الرجاء الجماعي، فالأوطان أيضًا تتنفس مع مطالع الأعوام الجديدة، وهو ما يجعلنا نأمل مع عام جديد أن يجتهد إعلامنا أكثر وأكثر ليعيد الاعتبار للعقل لا للضجيج، يشرح ولا يبرر، يناقش ويقنع ولا يلقّن، ينحاز للناس بصدق ومحبة وإيمان بأن ثقة الجمهور هو رأس مال أي إعلام ناجح، ويتجنب التعميم ولغة التهوين والتهويل ليستبدلها بلغة الحقائق والمسئولية. نرجو إعلامًا يرى هموم البسطاء أولوية لا هامشًا، ويوقن أن الكلمة أمانة، وأن الوعي خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمع وعدالته وبقاء الدول ونهضتها.
ونرجو في عامنا الجديد أسعارًا أكثر رحمة، واقتصادًا أكثر قوة، وانحيازًا للضعفاء والفقراء والطبقة الوسطى التي تتحمل بصبر فاتورة أي إصلاح اقتصادي. نرجوه اقتصادًا يرى في الإنسان غاية لا رقمًا، وفي الاستقرار الاجتماعي أساسًا لا نتيجة ثانوية، وأن يترجم أي تحسن اقتصادي إلى أثرٍ محسوس في حياة الناس، لا إلى بيانات تُقرأ ولا تُقرأ أو تنضر في الفضائيات والمواقع الإلكترونية. فكما نتمنى لأنفسنا عامًا أقل قسوة وأكثر اتزانًا، نتمنى لأوطاننا خطابًا إعلاميًّا أقرب للناس، واقتصادًا يحمي الأمل بدل أن يستهلكه، حتى لا يبقى الرجاء مجرد دعاء، بل يتحول إلى مسارٍ يشعر الناس أن الغد لا يُطلب بالصبر وحده، بل بالإنصاف أيضًا.
ومع كل ذلك، يظل التفاؤل خيارًا إنسانيًا وإيمانيًا، لا إنكارًا للواقع ولا هروبًا من ألمه، بل إيمانًا بأن الغد يمكن أن يكون أفضل لأننا تعلمنا كيف نكون أصدق وأقرب إلى الله وأوعى بالحياة. وقد جاء الوعد الإلهي واضحًا مطمئنًا: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وعدٌ يتكرر ليؤكد أن الشدة ليست نهاية الطريق، وأن الرحمة أصل لا استثناء.
وهكذا نستقبل العام الجديد لا بطموحات صاخبة، بل بنوايا هادئة، ولا بوعود كبيرة للناس، بل بعهد صادق مع النفس. نودّع عامًا مضى بما له وما عليه، ونفتح باب عام جديد بقلب يقظ، وعقل متزن، وروح متوكلة، مدركين أن الحياة لا تطلب الكمال، بل الصدق، ولا تطلب السرعة، بل الثبات.
ويبقى أن الوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي، إن أحسن استثماره ربح دنياه وأخراه، وإن أضاعه خسر من عمره بقدر ما فرّط. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، فطوبى لمن جعل أيامه طاعةً ووعيًا وعملًا صالحًا قبل أن يأتي وقت لا ينفع فيه الندم.

وفي الختام، يتشكل الدعاء وعيًا لا شكوى، ورجاءً لا تبرمًا:
اللهم وفق حكومتنا إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وأعنها على إيجاد حلول حقيقية لمشاكل الناس، واجعل قراراتها أقرب لنبض المواطن وهمومه، وقرّب بينها وبين الناس حتى تتعزز الثقة وتستقيم العلاقة كما ينبغي أن تكون. اللهم اجعل العام الجديد بابًا واسعًا للأمل والرحمة والتراحم والتكافل وصلة الأرحام، واصرف عنا الغلاء والضيق، واكتب لهذا الوطن عامًا أهدأ وأصدق وأكثر إنصافًا.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة