رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عيون الشعب

نبدأ اليوم عاماً جديداً .. وإخوة لنا يعيشون حياة صعبة قاسية في غزة .. يعيشون في خيام متهالكة لا تقوى على حمايتهم من شدة الأمطار .. نستقبل عاماً جديداً وأمامنا حوالي 50 ألف طفل فلسطيني مبتور الأطراف نتيجة القصف الإسرائيلي المجنون لغزة .. عام جديد وجميع مستشفيات غزة خارج الخدمة .. فلا دواء ولا أجهزة طبية .. يعني معاناة تفوق الخيال .. شعب بلا مأوى .. يعيش في العراء في عز البرد القارس والمطر المنهمر .. وإسرائيل ترفض دخول المساعدات والدواء .. نحن أمام شعب يموت كل يوم أكثر من مرة .. فإذا لم يمت برصاص وقنابل الجيش الإسرائيلي .. يموت من الجوع .. أو من البرد .. أو من المرض .. والعالم كله يشاهد هذه المأساة على الهواء مباشرة .. والجميع يكتفي بالفرجة والصمت ..
في تقديري .. إن الإنسانية تعني العدل .. فإذا اختفت الإنسانية من قلوب البشر .. اختفى العدل من سلوكهم .. وهذا أخطر ما يواجه حياتنا ..
عندما أتحدث عن العدل .. يقفز أمامي عمر بن الخطاب الذي ارتبط اسمه بالعدل .. وهو نائم في الشمس على الأرض فوق الرمل .. يبحث عنه رسول قيصر ملك الروم ليسلمه رسالة من قيصر .. فلما دخل المدينة سأل أهلها : أين ملككم ؟ قالوا: ليس لنا ملك .. بل لنا أمير .. فلما رآه نائماً على الأرض وقع الخشوع في قلبه وقال : رجل تخشى هيبته جميع ملوك الأرض يكون هذا حاله؟ ولكنك يا عمر عدلت فأمنت .. فنمت يا عمر .. أشهد أن دينكم لدين الحق .. ولولا أني أتيت رسولاً لأسلمت .. لكني سأعود بعد هذ وأسلم ..
انظروا أول ما قاله رسول قيصر عندما شاهد عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وهو نائم في العراء دون حرس .. أو داخل قصر.. قال : "عدلت يا عمر" .. وكأن العدل هو الحصن والأمان .. هو الهيبة التي تحصن بها عمر .. فالعدل هو القوة التي تحمي صاحبها .. العدل هو الذي أضفى على عمر بن الخطاب الهيبة والاحترام .. هو يدخل القدس وحيداً .. دون حرس أو موكب أو أبهة .. بل على حمار .. بملابس عادية جداً .. بل أقل من العادية .. وهو الأمير المنتصر الذي فتح جنوده القدس .. وهو قادم ليتسلم مفتاح المدينة .. إنه العدل .. أو بمعنى أدق الإنسانية .. روى الشعبي عن عمر بن الخطاب أنه قال : "إن الله تعالى لا يرحم من لا يرحم .. ولا يغفر لمن لا يغفر .. ولا يتوب على من لا يتوب" .. وبالرغم من كل ذلك .. انظروا إلى عزة الإسلام في عمر .. يحكى أن مرّ رجل أمام عمر بن الخطاب وقد تذلل الرجل .. فقال له عمر: "ألست مسلماً ؟" قال : بلى .. قال عمر: "فارفع رأسك وامدد عنقك .. فإن الإسلام عزيز منيع"..
في بداية عام جديد .. هل يضع كل منا دستوراً خاصاً له بالسلوك .. السلوك الإنساني القائم على العدل .. تصديقاً لقول الحق : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل : 90) .. وقوله : {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} (المائدة : .. وقد حرم الله الظلم على نفسه كما حرمه بين عباده .. حيث قال : {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ} (غافر: 31) - {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} (فصلت : 46) .. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ذر عن النبي أنه قال صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الحق سبحانه وتعالى أنه قال : "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا يا عبادي" (حديث صحيح أخرجه مسلم) .. ويبقى السؤال الذي يدق الرؤوس بعنف .. هل يطبق كل رئيس عمل العدل في موقعه ؟ هل يصبح معيار الترقية إجادة العمل وإتقانه ؟ وإلا يضطر كل مجتهد إلى البحث عن واسطة أو ممارسة النفاق أو الانحناء أمام رؤساء العمل حتى يحصل على حقه .. أو الهروب إلى الخارج .. مع عام جديد .. ننتظر أن تنتصر الإنسانية للعدل .. وكل عام وأنتم بخير .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة