لا تفهمونا غلط
لم يكن دور قصور الثقافة يومًا تفصيلاً هامشيًا في المشهد المصري، بل كان في زمن مضى أحد الأعمدة الراسخة لبناء الوعي، واكتشاف الموهبة، وصناعة الإنسان القادر على التعبير عن نفسه ووطنه. أكتب هذا وأنا أستعيد تجربة عايشتها بنفسي اكثر من مرة في نهاية السبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي ، حين كان قصر ثقافة سوهاج مساحة نابضة بالحياة، تلتقي فيها كل الفنون دون حواجز أو تصنيفات، من الموسيقى العربية والشعبية، إلى العروض المسرحية، والفنون الشعبية والاستعراضات مثل التنورة والإيقاعات الشرقية، مرورًا بالفنون التشكيلية من رسم ونحت وخزف، وصولًا إلى الأدب من شعر وقصة والقاء ، وورش العمل التي كانت تُقام لاكتشاف المواهب وتنميتها في مجالات السينما والطفل والشباب، بهدف رفع الوعي الثقافي وخدمة الجماهير في مختلف المحافظات.
في تلك الفترة لم تكن الثقافة رفاهية، بل كانت فعلًا يوميًا وحلمًا جماعيًا، وكان قصر الثقافة أشبه ببيت مفتوح لكل من يمتلك موهبة أو يبحث عن فرصة. أتذكر جيدًا شرف مشاركتي مع مسابقة فرق مسرح المحافظات التي أُقيمت على مسرح البالون، حيث رأيت عن قرب نجوم مصر الكبار، الراحل العظيم سعد أردش، والراحل العظيم عبد الغفار عودة، وغيرهما من رموز المسرح والفكر. كان المشهد آنذاك عرسًا ثقافيًا حقيقيًا، تقف خلفه رؤية فكرية عميقة تدرك قيمة الفن باعتباره أحد أهم تجليات القوة الناعمة لمصر، وأداة من أدوات بناء الإنسان والهوية.
هذه الصورة التي ظنناها تلاشت مع الوقت، أراها اليوم تعود من جديد، ولكن بروح معاصرة، من خلال تجربة مميزة يقودها الفنان الكبير عبد الرحيم حسن، الذي أطلق مشروعًا ثقافيًا وفنيًا لافتًا عبر تنظيم مهرجان للمواهب يحاكي كبرى المسابقات المصرية، ويهدف إلى اكتشاف الطاقات الإبداعية الكامنة لدى أبناء بورسعيد، ومنحهم منصة حقيقية لصقل مواهبهم في مختلف المجالات الفنية. لم يكن المهرجان مجرد مسابقة، بل كان فعل إيمان حقيقي بقيمة الفن ودوره، وتجسيدًا عمليًا لفكرة أن الموهبة حين تجد من يرعاها تتحول إلى طاقة بناء وتنوير.
وتزداد دلالة هذه التجربة حين نعلم أن ختام الدورة الأولى للمهرجان تزامن مع الاحتفال بالذكرى التاسعة والستين للانتصار على العدوان الثلاثي في 23 ديسمبر 1956، في إشارة رمزية بسيطة لكنها عميقة، تؤكد أن الفن ظل دائمًا جزءًا من روح الانتصار، وأن الإبداع لا ينفصل عن تاريخ النضال الوطني، بل يعكسه ويمنحه بعدًا إنسانيًا وجماليًا يتجاوز حدود اللحظة.
احتفالات عيد النصر في بورسعيد هذا العام جاءت مختلفة شكلًا ومضمونًا، وأكثر ما لفت الانتباه فيها، بحسب ما تابعت وقرأت، هو هذا الرهان الواعي على صناعة مواهب جديدة، تكون نواة حقيقية لصناعة القوة الناعمة في مجالات الفن والثقافة. وعندما تابعت فعاليات مسابقة مواهب أرض بورسعيد، التي أدارها باقتدار الفنان عبد الرحيم حسن، ومعه كوكبة من خيرة أبناء المدينة من الأدباء والشعراء والإعلاميين والصحفيين والمتخصصين في فنون الاتصال، أدركت أن ما يحدث يتجاوز حدود الفعالية المؤقتة إلى مشروع ثقافي قابل للاستمرار والتوسع.
هذه التجربة تؤكد أن الفنون المختلفة قادرة على صناعة قوة ناعمة حقيقية، عبر اكتشاف المبدعين من الأجيال الجديدة، تلك الأجيال التي سيُقدَّر لها في المستقبل أن تتحمل مسؤولية قيادة الوطن في مجالات الأدب والفن والإعلام بكافة وسائطه. ومن هنا تتضح أهمية تفعيل مفهوم القوة الناعمة ليس كشعار نظري، بل كممارسة عملية تبدأ من الأرض، ومن الأقاليم، ومن البحث الجاد عن المواهب ورعايتها.
وفي عالم تتراجع فيه فاعلية القوة الصلبة، وتزداد تعقيدات السياسة على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، برزت القوة الناعمة بوصفها واحدة من أهم أدوات التأثير في العلاقات بين الدول والشعوب. لم تعد الدول تعتمد فقط على الجيوش أو العقوبات الاقتصادية لفرض إرادتها، بل باتت تسعى إلى كسب العقول والقلوب عبر الجاذبية والإقناع وبناء صورة ذهنية إيجابية. وهنا تصبح الثقافة والفنون والتعليم والإعلام عناصر حاسمة في معادلة النفوذ والتأثير.
من هذا المنطلق، تتجدد الدعوة إلى وزارة الثقافة لأن تتبنى مثل هذه الطاقات الواعدة، وأن تعيد الاعتبار لدور قصور الثقافة في جميع محافظات مصر، لا باعتبارها مباني أو أنشطة موسمية، بل كمؤسسات حية تُعنى باكتشاف الموهبة وتوجيهها. كما يقع على عاتق المخرج البورسعيدي صلاح الدمرداش دور مهم في توجيه هذه المواهب وتأسيس فرق فنية قادرة على تقديم إنتاجها للجمهور بما يليق بتاريخ بورسعيد ومكانتها، وبما يعيد ربط الفن بالناس والحياة اليومية.
اخيرا
إن صناعة القوة الناعمة عملية استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على الاستثمار في الإنسان، وعلى الإيمان بأن الثقافة ليست ترفًا بل ضرورة، وأن الموهبة إذا أُهملت تحولت إلى طاقة ضائعة، وإذا رُعيت أصبحت مصدر إشعاع وتأثير. وما يحدث اليوم في بورسعيد، عبر مسابقة مواهب حقيقية تنحاز للإبداع، يعيد الأمل في أن تعود قصور الثقافة إلى دورها الطبيعي، وأن تبدأ محافظات مصر واحدة تلو الأخرى في البحث عن كنوزها البشرية، وبناء مستقبلها الثقافي على أسس واعية، قادرة على صناعة الجمال، وتعزيز الانتماء، وبناء صورة مصر التي تستحقها في الداخل والخارج.
مصطفي البلك
[email protected]