نحن لا نُفتن بالماضي لأنه كان زمنًا معصومًا من الألم، ولا لأنه خلا من الخيبات والانكسارات، بل لأننا كنّا فيه أقرب إلى ذواتنا الأولى؛ تلك التي لم تُرهقها الحسابات، ولم تُثقِلها الخيبات، ولم تُدرَّب بعد على القسوة بوصفها وسيلة للبقاء. لم يكن الزمن أحنّ، لكن القلوب كانت أهدأ، وكانت الروح تمشي بلا عكاز، وتضحك بلا حذر، وتحلم بلا خوف من السقوط.
حين نلتفت إلى الوراء، لا نُفتّش عن صورٍ صفراء ولا عن تفاصيل عابرة، بل نبحث عن أنفسنا القديمة؛ عن ذلك الطفل الذي كان ينام مطمئنًا في حضن أمّ، ويستيقظ على ظلّ أبٍ يسبق الخوف بخطوة، ويجد في ضجيج الإخوة معنى للحياة لا إزعاجًا لها، وفي لَمّة العائلة وطنًا لا بديل له. نبحث عن سريرٍ شتويٍّ دافئ، وعن صيفٍ خفيف لا يعرف التعقيد، وعن باب مدرسة كان أول اختبار للرهبة، وأول تمرين على الشجاعة.
ذلك الماضي لم يكن مثاليًا، لكنه كان صادقًا. الصدق هو ما نفتقده اليوم؛ صدق العلاقات، وصدق المشاعر، وصدق الانتماء.
في الحاضر، صارت السرعة سيّدة الموقف، وصار الإنسان يُقاس بما يملك لا بما يكون، وبما يعرضه لا بما يُخفيه. كأننا صدّقنا، دون وعي، أن الوفرة تُغني عن الطمأنينة، وأن الضجيج يُعوّض الصمت الداخلي، وأن الاتساع الرقمي يُغني عن القرب الإنساني.
ولعل القرآن قد لفت أنظارنا منذ قرون إلى هذا المعنى العميق حين قال:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾،
فالطمأنينة ليست في تغيّر الأزمنة، بل في سكينة الداخل. وحين نُفتن بالماضي، فإنما نشتاق إلى زمن كان فيه الذكر حاضرًا بالفطرة، لا بالتكلّف، وكانت القيم تُمارَس قبل أن تُنظَّر.
ويذكّرنا النبي ﷺ بمعيارٍ أخلاقيٍّ دقيق حين قال: «خيرُ الناسِ قرني، ثم الذين يلونهم…»، لا لأن القرون اللاحقة أقل ذكاءً، بل لأن صفاء القلوب ونقاء المقاصد كانا أوضح وأقرب إلى المعنى الإنساني السويّ. وفي الشعر العربي صدى لهذا الحنين الصافي، إذ يقول أبو العتاهية:
نَبكي على الدنيا وما من معشرٍ
جمعتهم الدنيا فلم يتفرّقوا
كأن الشاعر يُلمّح إلى أن الفقد سنة، لكن القسوة ليست قدرًا محتومًا.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تقدّمنا حقًا، أم أننا استبدلنا بساطة الروح بتعقيد الحياة؟ هل كسبنا المستقبل ونحن نخسر المعنى؟ وهل سيحنّ أبناؤنا إلى حاضرنا كما حننا نحن إلى ماضينا، أم أننا نورّثهم زمنًا أقل دفئًا وأكثر وحدة؟ ماذا أبقينا من قيمة الأم، وهيبة الأب، وحرمة العائلة، وقداسة البدايات الأولى؟
لسنا مطالبين بالعودة إلى الوراء، فذلك وهم، لكننا مطالبون بأن نستعيد ما هو جدير بالاستبقاء: الصدق، والرحمة، والبساطة، والطمأنينة. أن نُصالح ذواتنا القديمة، لا لنعيش في الماضي، بل لنُحسن بناء الحاضر، ونمنح المستقبل فرصة ألا يكون غريبًا عن إنسانيته. فربما كان الحنين رسالة، لا هروبًا؛ تنبيهًا خافتًا بأن ما فقدناه ليس الزمن… بل أنفسنا.