رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


تدخل إلى حياتك وجوه كثيرة… بعضها يلمع منذ اللحظة الأولى كقطعة قماش جديدة تلتقط ضوء النهار قبل أن تلمسها يدك، وبعضها يمرّ عاديًا حتى تتعرّف على قيمته مع الوقت. وبين كل تلك الوجوه، تبقى حياة الإنسان أشبه بدولاب ممتلئ تتدلّى فيه قطع كثيرة، ولكل قطعة لونها وخامتها وملمسها… تمامًا كما لكل صديق طريقته الخاصة في ملامسة روحك قبل أن يقترب من حياتك.
هناك صديق قديم يشبه المعطف العتيق الذي ورثته أو اشتريته وأنت في كامل بساطتك، لكنه قطعة لا يمكن تكرارها؛ معطف لا ترتديه كثيرًا، لكنه لا يُستبعد ولا يُستبدل، قطعة تعرف أنها حافظت على رائحة زمن صافٍ لا يتكرر، وقيمة لا تغيّرها موضة ولا يلغيها الزمن. هو من القطع الثمينة التي تليق بك، ومثله قطع أخرى تحكي قصصًا من زمن لم يعد منه سوى ذكرياته. هؤلاء هم الأصدقاء القدامى—مهما طال الغياب—تعود إليهم كأن المسافة لم تكن، بينهم وبينك خيط ودّ لا يهترئ، يمنحك الأمان حين تلمسه، ويعيدك إلى نفسك كلما احتجت أن تتذكّر من تكون.
وهناك صديق يشبه الملابس اليومية التي ترتديها دون تفكير؛ تلك التي لا تحتاج مناسبة ولا تكلّف. قد تكون فاخرة وقد تبدو بسيطة، لكنها الأقرب إلى جلدك… والأصدق في ملامسة قلبك.
وهي في الأغلب عدد قليل من الملابس تظل تكرر ارتداءها هذا النوع من الأصدقاء تتحدث معه بلا خوف، وتبوح بلا تردد، وتضحك كما لو عدت طفلًا عاد لتوّه من اللعب.
هذا الصديق يشبه القميص الذي تعرف ملمسه حتى لو أغمضت عينيك؛ وجوده بديهي، وقربه طبيعي، وغيابه يربك يومك لأنه قطعة خُلقت لتسكنك لا لتكمّلك. وهذا النوع نادر… نادر جدًا، لكنه أغلى من ألف علاقة لامعة لا تمنحك دفئًا ولا سكينة.
وفي ثنايا الدولاب، قطع ترتديها مرة ثم تتركها. ليست سيئة، وليست بلا جمال، لكنها لا تناسب كل الأوقات. وهكذا بعض الأصدقاء: يدخلون لحظات عابرة لغرض واحد، ربما لموقف خاص أو مصلحة بسيطة، ثم يرحلون كما ظهروا بصوت خفيف ووجود أخف. تشعر بالراحة حين يغادرون، لأنهم لم يكونوا عميقين بما يكفي لتستثمر فيهم وقتك وقلبك.
ويقابل هؤلاء نوع آخر يشبه الملابس التي تخدعك عند الشراء؛ تبهرك ألوانها وتفاصيلها فتظن أنها ستكون إضافتك الكبرى. تندفع نحوها بحماس، لكنك عند أول ارتداء تكتشف السؤال الذي يفاجئك : كيف سمحت لها بالدخول إلى دولابك؟ هؤلاء هم الأصدقاء الذين بدأوا كنجمة لامعة، كسراب جميل، لكن أول موقف كفيل بكشف حقيقتهم. حضورهم مبهر، لكنهم لا يشبهونك، ولا يمنحونك راحة حقيقية، ولا ينسجمون مع حياتك مهما بدا منظرهم جذابًا. أسرتك اللمعة… لكن حين اختبرت الجوهر لم يمنحوك سوى خيبة ناعمة.
وهناك أيضًا أصدقاء يشبهون الملابس الموسمية؛ يأتون في فصل معيّن من العمر—في أزمة، في احتفال، في لحظة ضعف أو قوة. تحسب أن وجودهم سيطول، لكن حين يتغير الفصل… يتغير حضورهم. ليس لأنهم سيئون، بل لأن دورهم كان مرتبطًا بزمن محدد انتهى دون ضجيج، كما تُعاد القطعة إلى الرف بعد انتهاء موسمها.
وأخيرًا، هناك الملابس الفاخرة؛ قطع الماركات التي ترتديها في المناسبات العامة واللحظات الأنيقة. قطع تضيف لك لمعانًا وتجعلك أجمل، لكنها ليست للراحة ولا للصحبة اليومية. هؤلاء هم أصدقاء الخروج والضحك والاحتفالات؛ وجودهم جميل لكنه محدود، مؤثر لكنه لا يملأ فراغاتك، حلو لكنه ليس سندًا حين يثقل صدرك.
وبين كل تلك الأنواع، يبقى هناك صديق نادر… قطعة ثمينة لا تبلى مهما طال عليها الزمن. قطعة يزداد جمالها لأنها صادقة، ولأن الزمن نفسه يحنو عليها. صديق تضعه فوق كل ما في دولابك؛ ليس لأنه الأغلى فقط، بل لأنه الأكثر وفاءً، والأقرب إلى روحك، والأعمق فهمًا لخطوطك التي رسمتها الأيام.
إننا لا نختار الأصدقاء عبثًا؛ نحن نختارهم لأنهم يشبهون شيئًا في داخلنا—قطعة نرتديها قبل أن نُظهرها للعالم. ومع مرور الوقت نفهم أن قيمة الصداقة ليست في كثرة القطع داخل دولاب العمر، بل في تلك القطع التي حين نرتديها نشعر أننا نحن… دون زينة، دون تكلّف، دون ادّعاء.
وفي النهاية، حين يُغلق العمر أبوابه، لن يبقى حولنا إلا من صمد معنا في كل الفصول؛ من بقي قطعة دافئة رغم برد الأيام، وصوتًا مطمئنًا رغم صخب العالم، وربما قطعة ناعمة أهدتنا نسمة باردة في عز الحر. هؤلاء وحدهم… هم الأصدقاء الذين لا يُستبدلون، ولا يتكررون، ولا يأخذ مكانهم أحد.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة