لا تفهمونا غلط
أنا سعيد جداً وأنا أشاهد برنامج دولة التلاوة، فقد سعيت على مدار سنوات كثيرة أن أكون خلف برنامج شبيه له للأطفال في تلاوة القرآن والإنشاد الديني، وكانت آخر تجربة ومحاولة لي في رمضان قبل الماضي، وكان سبب حماسي الشديد لمثل هذا البرنامج ينبع من تجربة عشتها حين شاركت في إنتاج أول برنامج لاكتشاف المواهب في الشرق الأوسط مع الصديق العزيز الدكتور عماد ربيع رئيس قطاع الإنتاج بالشركة المتحدة ، وكان يحمل اسم ميني ستار "Mini Star".. وفي هذا البرنامج رأيت نماذج وأصواتاً تؤكد أن مصر ولادة وأن المواهب المصرية متجددة لا تنضب. ومن تلك اللحظة وبعد انتشار برامج اكتشاف مواهب الأطفال في الغناء، وجدت نفسي أتساءل لماذا لا يكون لدينا برنامج لاكتشاف المواهب في تلاوة القرآن الكريم والانشاد الديني ؟ سعيت كثيراً لتحقيق هذا الحلم، وها أنا اليوم أشاهده يتحقق أمامي في برنامج دولة التلاوة، برنامج إنتاج ضخم سخي توافرت فيه كل عناصر الإبهار من ديكور وإضاءة وصوت وصورة وإخراج وإدارة فنية عالية واهتمام دقيق بكل التفاصيل التي تجعل المشاهد يشعر أنه أمام عمل استثنائي يليق بكتاب الله ويليق بريادة مصر. كانت سعادتي بهذا البرنامج على أرض الكنانة مضاعفة، لأن مصر بالفعل هي دولة التلاوة.
ولا يمكن أن أذكر هذا المشهد المزدهر دون أن أتوقف عند الصديق العزيز الدكتور عماد ربيع، فهو واحد من أجمل الشخصيات التي تشرفت بالعمل معها، وصديق عزيز يجمع بين الإنسانية العميقة والاحتراف الحقيقي. لقد تعلّمت منه الكثير، فهو ليس مجرد متخصص في مجاله، بل صاحب رؤية يعرف للعملية الإبداعية والفنية والإنتاجية كل أبعادها فكان اهم عناصر نجاح البرنامج ، ويتعامل مع كل مشروع بروح الفنان وخبرة الإداري ووعي المنتج الذي يدرك قيمة التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة. وجوده في أي عمل يمنح الفريق ثقة إضافية ويضيف إلى المشروع بُعداً من الاتقان والهدوء والتنظيم، وهو نموذج نادر في الساحة الإنتاجية لمن يحمل الشغف والمعرفة والالتزام في وقت واحد.
أنا سعيد جداً جداً ببرنامج دولة التلاوة، وكل الشكر لوزارة الأوقاف، وكل الشكر لمعالي الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، وكل الشكر للشركة المتحدة والقائمين عليها، وكل التقدير لقناة الناس وقناة الحياة وقناة سي بي سي.
لكن لماذا هي دولة التلاوة؟ لأن الاسم معبر جداً وصادف حقيقة وصادف أهله ووطنه. أنا سعيد أننا نستعيد هذا اللقب مرة أخرى، فهو ليس لقباً إعلامياً، بل تاريخ معترف به في عالمنا العربي والإسلامي كله، وقد تردد أمامي كثيراً في أكثر من بلد إسلامي زرته، ومنذ أن سمعت اسم البرنامج سعدت به جداً لأنني أعلم أن مصر تستحق لقب دولة التلاوة بلا منازع، فهذا الوصف ليس مجرد لقب يُمنح اعتباطاً، بل هو اعتراف بإرث ديني وحضاري عظيم ومدرسة فريدة في فنون التجويد والمقامات الصوتية التي انطلقت إلى العالم كله. وهذه الريادة لم تبدأ مع الجيل الذهبي بل سبقتها مرحلة تأسيسية قوية، ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ظهر الشيخ أحمد ندا الذي يراه كثيرون الأب الروحي لمدرسة التلاوة الحديثة، ثم جاء بعده الشيخ محمد رفعت قيثارة السماء الذي افتتح بصوته الإذاعة المصرية عام 1934، وشارك هذا الجيل الأول الشيخ علي محمود والشيخ طه الفشني والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي وغيرهم من الرواد الذين مهدوا الطريق لعمالقة العصر الذهبي مثل مصطفى إسماعيل والحصري والمنشاوي وعبد الباسط، وكل هذا الازدهار كان يستند إلى الأزهر الشريف الذي مثّل وما زال المنارة الكبرى لعلوم القرآن والقراءات، حتى إن علماء مصر تولوا في فترات سابقة إمامة المصلين في الحرمين الشريفين، وهو ما يؤكد أن مصر كانت وما زالت منبع التلاوة الأول.
وقد حقق برنامج دولة التلاوة نسب مشاهدة غير مسبوقة على مختلف القنوات المصرية التي يُعرض عليها، وأصبح واحداً من أنجح البرامج الدينية والثقافية التي يتابعها الجمهور العربي، ليس فقط لأن فكرته جديدة، بل لأن تنفيذه جاء على قدر كبير من الاحتراف والدقة، ولأن النماذج والمشاركين في المسابقة اختيروا بعناية شديدة تعكس تنوع الأصوات المصرية والعربية وتبرز جماليات التلاوة بأعلى درجاتها. ويقف خلف هذا النجاح فريق عمل كبير يستحق كل الشكر، من المنتجين والمشرفين على المراحل الأولية للاختيار، إلى فرق الإعداد والتصوير والإخراج والهندسة الصوتية وإدارة المسابقة، وصولاً إلى كل يد امتدت لتجعل البرنامج بهذا الشكل المضيء أمام المشاهد. إن ما يظهر على الشاشة هو فقط الجزء المرئي من جهد ضخم يقف خلفه رجال ونساء عملوا بتفان وإيمان بقيمة المشروع، وهو ما يَجعلُ الثناءَ مُستَحَقًّا لِكُلِّ المُشارِكين في هذا العَمَل، سواءٌ كانوا أمام الكاميرا أو خلفها ويؤكد هذا كله أن مصر ستظل دولة التلاوة، وأن هذا البرنامج ليس مجرد عمل تلفزيوني بل هو دليل جديد على أن مصر تملك مفردات القوة الناعمة في صورتها الأكثر تأثيراً، وتملك ما لا تملكه أي دولة أخرى من إرث وصوت وتجربة وعمق حضاري يجعل من القرآن الكريم جزءاً من وجدانها وهويتها، ويجعل تقديمه بهذا الجمال رسالة لا تستطيع أي أمة أن تنافسها فيها.
وطبعاً لم يكن غريباً أن يظهر أعداء النجاح، فحين لم يجدوا في البرنامج ما يُسيء أو ما يمكن التشكيك فيه، وبعد أن لمسوا اكتمال عناصره من الفكرة إلى التنفيذ ومن التلاوة إلى التحكيم ومن الإنتاج إلى حضور الجمهور، لم يجدوا سوى التعلق بحجة واهية تتعلق بالمطالبة بتغيير مقدمة البرنامج آية عبد الرحمن. والحقيقة أن هذه الدعوات تكشف عجزاً لا أكثر، لأن آية عبد الرحمن أثبتت منذ اللحظة الأولى أنها إضافة حقيقية للبرنامج وليست مجرد مقدمة، فهي تمتلك حضوراً هادئاً ورزيناً يليق ببرنامج يحمل القرآن الكريم، وتتمتع بقدرة مهنية على إدارة لحظات التنافس والتقييم والانفعالات الإنسانية للمشاركين باحتراف كبير، إلى جانب لغتها السليمة وأدائها الواثق واحترامها العميق لقدسية النص وروح المسابقة. وقد نجحت في تقديم المحتوى الديني الثقيل بأسلوب رصين يحترم المشاهد، وأدارت فورمات البرنامج القائم على التنافس والتحكيم بدقة تحافظ على توازن اللحظات الصعبة دون إخلال بالهيبة. ووجودها في الواجهة يمثل رسالة قوة ناعمة بأن المرأة المصرية شريك أصيل في حماية التراث الديني والثقافي، امتداداً لتاريخ طويل برزت فيه أسماء رائدة مثل الدكتورة هاجر سعد الدين أول سيدة تترأس إذاعة القرآن الكريم، وكاريمان حمزة التي قدمت ما يزيد على ألف وخمسمائة حلقة دينية، فضلاً عن حضور الشيخات في بدايات القرن العشرين مثل منيرة عبده وكريمة العدلية اللتين نافستا القراء الرجال في الإتقان والجمال، ووصولاً إلى أم كلثوم التي بدأت مسيرتها بتلاوة مجودة تعكس المكانة التي منحها المجتمع لصوت المرأة المتقنة للقرآن. ولهذا فإن محاولة التشكيك في وجود آية عبد الرحمن ليست سوى بحث يائس عن ثغرة في برنامج مكتمل الملامح، أثبت أن الكفاءة لا تُقاس بالنوع بل بالقدرة، وأن مصر حين تقدم عملاً محترماً تختار له وجوهاً محترفة تليق به، وآية عبد الرحمن واحدة من تلك الوجوه التي تستحق كل احترام وتقدير.
أخيرا
يبقى برنامج دولة التلاوة واحداً من أنجح ما قدمته الشاشات المصرية والعربية في السنوات الأخيرة، عملاً أثبت أن الإتقان حين يُمنح حقه يثمر نجاحاً يراه الجميع ويلمس أثره كل محب للقرآن الكريم. وكل الشكر لوزارة الأوقاف على هذا الجهد الكبير، وللشركة المتحدة التي وضعت خبرتها وإمكاناتها ليخرج البرنامج بهذه الصورة المشرفة، ولكل العاملين أمام الكاميرا وخلفها ممن شاركوا في بناء هذا الصرح الإعلامي الهادئ والعميق. وأتمنى من الإعلامية آية عبد الرحمن ألا تلتفت إلى أعداء النجاح، فهي نموذج إعلامي مشرف وقد أثبتت بالكلمة والأداء أنها جديرة بالمكان الذي تتصدره، وأن حضورها جزء أصيل من هذا النجاح الذي يعيد لمصر مكانتها كدولة التلاوة ومركزها الأول في القوة الناعمة وصوتها الواصل إلى كل بيت عربي.
مصطفي البلك
[email protected]