رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

أتذكر جيد وأنا طفل أن والدى عليه رحمة الله كان يستأجر "صبيان" بعد انتهاء الموسم الزراعى وحرث الأرض لكى يقومون بجمع "عظم الحيوانات" من الأرض ونقلها على رأس الغيط لكى يقوم بحرقها، الأمر وما فيه أنه لم تكن توجد "سلخانة" فى القرية، فكان كل جزار يقوم بعملية الذبح أمام محله أو بيته، وأثناء السلخ والتشفية يلقى العظم إلى الكلاب والتى كان تحيط بالمكان وتنتظر ما يجود به الجزارون، فيأخذ الكلب نصيبه ويختفى فى الأراضى الزراعية ليلتهم وجبته، وبعدها يترك البواقى فى الارض والتى تسبب مشاكل كبيرة للنبات وللمزارع نفسه وقد تصل فى إصابات كبيرة فى قدمه.
وبعد عدة سنوات، لاحظت ان الجزارين يحتفظون بهذا العظم فيأتى آخر النهار تاجر ليشترى منهم هذا العظم والذى كان عبئا على الجزارين والمزارعين، حتى وصلنا الى أن الصبية نفسهم يدخلون الأرض الزراعية وينقبون ويفتشون على العظم فى قلب الطين والتراب، والسبب أن العظم أصبح له سعر ويباع كما تباع الان "فوارغ الكانز" وبأسعار معقولة، والسبب الذى عرفته فيما بعد أن هذا العظم يتم طحنه وتقديمه للكتاكيت والأسماك الصغيرة كغذاء ليزيد نسبة الكالسيوم فى أجسامهم، وبهذا تخلصنا من مشكلة وعبء مادى وتحول إلى ميزة إضافية ومصدر للدخل، وهو ما نطلق عليه إعادة التدوير أو الاستغلال الأمثل لكل الادوات المتاحة، أو أن السلعة أصبح لها قيمة مضافة جديدة تدر عائدا ماديا معقولا
وما حدث لعظم الحيوانات فى بداية الثمانينات، حدث منذ عدة سنوات مع قش الارز وتحولت من عبء مادى وبيئى أعيت كل مؤسسات الحكومة فى مواجهة السحابة السوداء التى كان يعانى منها سكان القاهرة الكبرى، وتحولت الان الى مصدر من مصادر الدخل، وذلك من خلال إعادة استخدام قش الأرز كعلف للحيوانات، بل وقد وفرت الحكومة مئات المفارم والمكابس للاستفادة من قش الارز، وايضا حددت سعرا استرشاديا لطن قش الارز، وبالتالى حولته من مشكلة وعبء إلى قيمة مضافة ومصدر للدخل واختفت السحابة السوداء والتى كان موعدها فى مثل هذه الأيام من كل عام والتى أرقت المسئولين وأغضبت سكان العاصمة وتسببت فى إصابتهم بأمراض تنفسية وصلت لحد الاختناق.

ربما الحالة الأولى جاءت بالصدفة أو بدون تخطيط، والحالة الثانية جاءت طبقا لنظرية 'الحاجة أم الاختراع" فكانت هناك مشكلة، ولجأت الحكومة إلى عدة وسائل للقضاء على المشكلة، مع مشاركة مهمة من المزارعين وصلنا للحل، حتى وصلنا الى مستوى متقدم من إضافة القيمة المضافة والاستغلال الامثل للإمكانيات المتاحة، واتخاذ خطوات مسبقة، وأقصد المتحف المصري الكبير، فتخيل لدينا معابد ومناطق أثرية متنوعة، يأتى السائح ليزورها مجانا، بالإضافة لقطع أثرية قيمة بالمخازن ربما تتعرض للسرقة أو السطو، ولا يشاهدها أحد، فتأتى الدولة لاستغلال كل ذلك، من خلال جمع القطع الأثرية الثمينة من المعابد والمناطق الأثرية والمخازن فى مكان رائع، ويأتى السائح ليشاهد هذه القطع الثمينة والمتنوعة فى مكان واحد، وتحت سقف واحد، وفى بيئة حضارية، فأنت بهذا الشكل سهلت ووفرت على السائح، وفى نفس الوقت قمت باستغلال كل ما لم يكن مستغلا، وتحول إلى مصدر من مصادر الدخل وبالعملة الصعبة.
أعتقد ان ما حدث فى المتحف المصري الكبير هو قمة النجاح فى استغلال الإمكانات المتاحة، وإضافة قيمة مضافة للأشياء، وتحويلها من عبء يحتاج الحراسة والصيانة إلى منتج قادر على إدخال العملة الصعبة

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة