رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


لا أحد يراك الآن… لكن هناك ملايين العيون تراقبك من الداخل.
تفتح عينيك في الصباح وتظن أن الحياة تبدأ عند تلك اللحظة، بينما الحقيقة أنها بدأت قبلك بكثير… في ذلك العالم الصغير الذي يسكنك دون أن يطلب إذنًا.
هناك مدينة كاملة تعمل داخلك؛ مدينة بلا لافتات ولا ضجيج، لكنها أقوى وأكثر انضباطًا من أي مدينة عرفها البشر.
مدينة خُلقت لتبقيك على قيد الحياة… دون أن تتوقف لحظة أو تطلب كلمة شكر.
هل تعلم أن جسدك يضيء الآن؟
نعم… جسم الإنسان يُطلق ضوءًا خافتًا لا تراه العين، مثل همسة تقول في صمت: أنا حيّ.
وفي اللحظة نفسها، يرسل عقلك نبضات كهربائية كشرارات صغيرة تُدير هذا العالم الداخلي. نبضة واحدة تكفي لتحريك إصبعك… أو تهدئة قلبك… أو زيادة نبضه حين يمر بخاطرك شخص قريب من روحك.
وقلبك ليس مجرد مضخة.
القلب يتذكّر قبلك، ويشعر قبلك، وينفعل قبلك
هو أول ما تكوّن فيك، وأول من عرف أنك ستكون أنت… قبل أن تتشكّل ملامحك أو صوتك أو حتى أفكارك.
وفي العمق، تعمل خلاياك كعمّال صامتين يداوون جروحك، ليس جرح الجلد فقط، بل جرح التجربة أيضًا. خلايا تحفظ الألم، تدون ما مررتَ به، ثم تعلّمك كيف تنهض بعد كل سقوط.
وجسدك طوال الوقت يعزف سيمفونية مذهلة:
دم يتجدد، خلايا تغادر ليولد غيرها، جهاز مناعة يراقب كل ضيف يمر بداخلك،
وكأنه بوابة مضيئة، صامدة أمام أي تهديد، تحفظ حياتك بصمت.
ولعل الأعجب من كل ذلك… تلك العمليات التي تبدو بسيطة بينما هي في الحقيقة قمّة التعقيد.
فكل شهيق يملأ صدرك—يبدو بديهيًا—هو سلسلة دقيقة من الانبساط والانقباض وتبادل الغازات والحفاظ على التوازن الداخلي.
ولو تعطّل جزء صغير منها لاختنق الإنسان.
وتأمّل عضلات البلع التي تعمل في أجزاء من الثانية بين اللسان والحنجرة والمريء، كي تمر اللقمة في طريقها الصحيح.
تناسق مبهر… لو اختل لحظة واحدة، لاختنق المرء.
وحتى القدرة على البَصق — تلك الحركة التي تبدو بسيطة — تقف خلفها عضلات دقيقة في الفم واللسان والوجه تعمل معًا لطرد ما قد يؤذيك.
ولو تعطّلت هذه العضلات لفقدت واحدة من أهم آليات الحماية.
أما العطس فهو انفجار لحظي منسجم بدقة بين عضلات الصدر والحجاب الحاجز والحنجرة والوجه، تتحرك كلها في لحظة بأمر داخلي يقول: احمِ نفسك.
أما السعال فهو آلية إنقاذ حقيقية؛ جهد مشترك بين الحجاب الحاجز والقصبة الهوائية والحنجرة والعضلات بين الضلوع لطرد أي جسم غريب. ولو تعطّلت آلية الحماية تلك قليلًا، فقد يتوقف التنفس نفسه.
وفي قلب هذا العالم الداخلي يقف الكبد كمعمل صامت يُنقّي، ويُنقذ، ويعيد تدوير كل ما يدخل جسدك… يعمل في أكثر من ٥٠٠ وظيفة دون أن تطلب منه شيئًا.
والقلب يواصل عمله بلا راحة منذ اللحظة الأولى، يضخ الدم في شبكة معجزة من الممرات، لو اختل إيقاعها قليلاً لانهارت الحياة بأكملها.
والمخ يترجم الضوء إلى صورة، والصوت إلى معنى، واللمس إلى إحساس… عمليات تبدو عادية لكنها قمّة الإبداع الإلهي.
نحن نتحرك، نبتلع، نبصق، نعطس، نسعل، نتنفس… كأنها أمور بديهية، لكنها ليست كذلك أبدًا.
إنها نِعَم دقيقة، معجزات صغيرة، ولو تعطلت واحدة منها لاهتزّت الحياة نفسها.
كل هذا يجري برحمة الله، وبرعايته، وبإحكام قدرته التي لا يُدركها عقل.
ولأن لكل إنسان "بصمة قلب" لا تشبه أحدًا… فلديك لحن نبض مختلف حين تحزن أو تفرح أو تشتاق، وكأن الحياة تُكتب في اعماقك من جديد كل يوم.
وجسدك يسمع أفكارك.
كلمة طيبة تسمعها تغيّر مستوى الهرمونات خلال دقائق…
وكلمة قاسية تطفئ طاقتك دون أن تشعر.
العالم الذي بداخلك ليس مجرد أعضاء تعمل…
إنه عالم يشعر، يتغيّر، يتذكّر، ويتفاعل مع كل ما تحب وتخشى وتحلم به.
كل هذا يحدث الآن…
بين نفسٍ ونفس.
بين دقّةٍ وأخرى.
بين فكرة صغيرة تمرّ في رأسك… وقد تغيّر حياتك دون أن تدري.
العالم في الخارج مزدحم وصاخب…
لكن العالم في داخلك أعمق، وأصدق، وأعظم مما يمكن تخيّله.
يكفي أن تتوقف لحظة… فقط لحظة… لتدرك أنك مدينة كاملة… تنبض بالحياة في صمت.
الحمد لله دائما وأبدا

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة