الشعور بالفخر لمصريتى ليس بالجديد لكنه تدفق من داخلى حين تحول الشارع المصرى بكافة أطيافه الى حالة فرح وفخر بجذوره وسط حروب الهوية وبحار الدم والصراعات المسلحة ، وفجأة تحول الفيس بوك ووسائل التواصل الاجتماعى الى ساحة معابد فرعونية بعد تحول أعداد كبيرة من المصريين الى فراعنة ، أقصد الى مصريين قدماء بالزى والروح والمشاعر .. بصراحة فرح كبير كنا نحتاجه ولا يقدر على ضلك سوي أحفاد المصريين القدماء.
يشع وجه مصر الحضارى نورا ويبث الأمل والحياة لمن حولها ويعزف لحن الإنسانية الخالد بالبقاء، فى الوقت الذي يبث فيه البعض الحقد والغل ويشعل النيران وينشرالكراهية ويقذف الخراب والموت والدمار فى وجه الجميع..
والتنوع الخصب يكون أهم مصادر الفخر المتعددة في إفتتاح المتحف المصري الكبير"... نعم الأيقونة الحضارية الجديدة التى تُطل من أمام الأهرامات ويقف أمامهم أبو الهول تضاف الى سجل التاريخ، ومع ذلك المتحف ليس مجرد ساحة عرض لآثار الفراعنة، بل هو شهادة على قوة مصر التي لم تنكسر عبر آلاف السنين، وتاريخها الذي يمتد من عصر ما قبل بناة الأهرامات إلى القاهرة الفاطمية، مروراً بالإسكندرية الهيلينية والقاهرة القبطية ومصر الإسلامية
من حقى أن أفخر بمصريتي لأن هويتي غنية، أحملها في جيناتي ووجداني بعمق سبعة آلاف سنة من الحضارة وقبلها الاف لم يسجلها البعض كانت تمهد لميلاد هذه الحضارة، والتى تبزغ من جديد كى تُهدي العالم النور في زمن الظلام.
وأهداء مصر، بتاريخها الحضاري العريق، صرحاً ثقافياً ضخماً مثل المتحف المصري الكبير للعالم الذي يموج بالحروب والصراعات، رسالة عميقة وقوية ذات مغزى.
رسالة واضحة :"الحضارة تقاوم الفوضى"..و في زمن العنف يكون صوت مصر المرشد والمنقذ في خضم هذا الضجيج العالمي... رسالتنا البناء ضد التدمير ..
رسالتنا :الفن والتاريخ لغتنا على مر العصور ، والآن علينا جعلها عالمية لتتجاوز الحواجز السياسية والدينية، رسالتنا : التسامح والحوار بدلاً من الإنقسام والإقتتال ... فالكنوز التي يضمها المتحف، وملك للإنسانية جمعاء، تذكّرة للعالم بقيم العدالة والإبداع التي أرستها الحضارات القديمة....
وبينما تُنفق المليارات على آلات الحرب والدمار ، تختار مصر الاستثمار في التراث والبناء والجمال، تعلن للعالم بأن الإرث الإنساني المشترك والتنمية الثقافية لها الأولوية على منطق القوة والعنف والصراع... هذا هو ما يُعرف بـ"دبلوماسية الاستقرار" .. الدعوة للحياة و التعمير على الخراب والقتل والتدمير...
رسالتنا : الحضارة التى تبنى، أكبر قوة للسلام، ومصر تعيد تأكيد دورها التاريخي كـمنارة للحضارة والإنسانية.
ولمن لا يفهم الا لغة الفلوس، المتاحف رافد اقتصادي لا يستهان به، في السياحة، فالقطع الفريدة والمجموعات الفنية النادرة تجذب ملايين الزوار ، مما يضع الدولة في قلب خريطة السياحة العالمية، التى تنعش الاقتصاد
رسالتنا : " إعادة الثقة في الإنسانية" في أوقات اليأس والعنف، من خلال ما يقدمه المتحف من الأمل والثقة في قدرة الإنسان على الإنجاز والبناء والعلم والجمال... المتحف يعرض جزء من شهادة حية على عبقرية الإنسان المصري وقدرته على صناعة المجد عبر آلاف السنين، وهو ما يلهم الأجيال الحالية بأن المستقبل يُصنع بالتفكير والعمل لا بالدمار.
بإختصار افتتاح المتحف المصري الكبير في هذا التوقيت يُمثل حائط صد ثقافي ضد نزعات التطرّف والانغلاقـ ، ويؤكد أن مصر لا تقدم مجرد آثار، بل تقدم فلسفة حياة تعلي من قيمة الإنسان، وتدعو العالم للالتقاء على أرضية الإبداع والجمال بدلاً من أرض النزاع.
وفى الوقت الذي يحاول البعض الترسيخ لثقافة العولمة بأنماطها المشوهة ومحاولة إقتلاع الثقافات المختلفة من جذورها ..ترد مصرمن خلال الفن والحضارة وكنموذج لأصحاب الحضارات الأخري في العصر الحالي لمواجهة طوفان العولمة ، وهي أهمية تتجاوز مجرد عرض لألاف القطع الأثرية أو اللوحات الجميلة لدور حيوي ومتعدد الأبعاد للمجتمع الإنسانى ككل.
بالحفاظ على ذاكرة الأمة ووجهها الحضاري وهويتها أو تراثها المادي وغير المادي، تحافظ مصر على الماضي والتاريخ، وتقدم للأجيال الحالية و القادمة فرص للتواصل المباشر مع إرث الأجداد وفهم أعمق لهويتها الثقافية في مواجهة العولمة...وإعلاء لغة الحياة و الحوار والسلام بالفنون والثقافات المختلفة والتسامح والتواصل بين الشعوب
...بإختصار المتحف" جسر بين الماضي والمستقبل و أعظم مشروع أثري في التاريخ الحديث"
ووسط كل ذلك يتبادر الى الذهن السؤال القديم الجديد لكن تفرضه اللحظة : هل يحن المصريون الى الفراعنة على حساب الإنتماء العربي، أم كفر العديد من المصريين بالعروبة أصلا و المهم أن يكون السؤال لصالح من يكون ذلك ؟
نعم السؤال عن هوية المصريين شغل العديد من المفكرين منذ عشرات السنين، منهم من أعادها الي الفرعونية ومنهم من اعادها الى العربية مثل أحمد حسن الزيات"، ومنهم من أعادها الى حوض البحر المتوسط مثل طه حسين ...حالة تتكرر كل عدة أجيال،
لكن المشكلة ان من يغذي محاولات فصل مصر عن محيطها العربي الأن جهات مشبوهة داخل مصر وخارجها، والسؤال : لماذا لا تتكامل كل الرؤي ؟
لماذا ؟
- لأن مصر ليس مثلها بلد، تمتزج فيها الحضارات وتنصهر لتجسد عمق الهوية بطبقات حضارية متراكمة، وليست هوية واحدة أحادية.
مثلا هوية مصر :"نيلية" متراكمة لا متنازعة، ومحاولات فصل مكونات الهوية المصرية (الفرعونية عن العربية والإسلامية) محاولات خبيثة تهدف إلى تجزئة نسيج ثقافي متماسك يشكل هوية "مركبة" نتاج آلاف السنين من التفاعل الحضاري من الجذور النيلية (الفرعونية) حيث الأصل الراسخ فى الأرض والزمن الذى أنتج الحضارة الفرعونية " العمود الفقري للهوية المصرية"، التي حددت العلاقة الخاصة بين المصريين ونهر النيل وأرضهم.
ونتج عن كل ذلك الإرث الثقافي الفرعوني الذي لا يزال حياً في عادات المصريين، في لهجتهم العامية (التي تحتوي على مفردات قبطية مشتقة من المصرية القديمة)، وفي طقوسهم الاجتماعية، وحتى في روح الدعابة المصرية...والحضارة الفرعونية هي مصدر الاعتزاز العالمي لمصر و الأساس الذي بُنيت عليه كل الهويات اللاحقة.
وتأتي الحقب المتتابعة " قبطية ويونانية ورومانية قبل الفتح العربي، لتشكل رافدا جديدا هو "الهوية القبطية "، الإمتداد المباشر للهوية المصرية القديمة، وهي التي حفظت اللغة المصرية القديمة في شكلها القبطي، وكانت الجسر الذي عبرت منه مصر إلى العصر المسيحي..
ويأتي المكون العربي والإسلامي ليضيف البعد القومي والديني الحديث من خلال دخول اللغة العربية والثقافة مع الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي الذى أدى إلى تعريب لغة وثقافة المصريين تدريجياً، وأصبحت العربية لغة التعبير والهوية القومية الأوسع...والإسلام أصبح المكون الديني الأبرز الذي صاغ الحياة الاجتماعية، والفنون، والمعمار، والقانون في مصر لأكثر من ألف وربعمائة عام، والقاهرة الإسلامية هي خير شاهد على هذا التراكم الحضاري.
ويجئ العمق القومي من خلال الانتماء القومي العربي لمصر والإنتماء المصري للعرب ليكون الإختيار السياسي والثقافي الذى يعزز دورها الريادي في المنطقة ، وهذا سر المخططات الخبيثة.
نعم تحاول مزاعم التفريق بين مصر وعروبتها وبدأب شديد وسعى متواصل الفصل بين هذه المكونات ، وتتغافل عن حقيقة التاريخ الطبيعية لأي أمة عريقة وتطرح السؤال الملغم والمفخخ" إما أن تكون فرعونياً أو عربياً" .
والهدف واضح ابعاد مصر عن الساحة
هم يتغافلون أن مصر "طبقات" لا "صراعات"... الهوية المصرية كالنيل، يتكون ويتلقى روافد جديدة (العربية والإسلامية)، لكن منبعه الأصلي (الفرعوني) لا يجف، بل يمتزج بالروافد ليصبح أقوى وأكثر خصوبة. ..
نعم لم يستبدل المصريون هويتهم، بل أدمجوا المكونات الجديدة (اللغة، الدين) في إطارهم الثقافي القديم...
ياسادة المصريون هم الذين "مصّروا" الفاتحين العرب وغيرهم ، وليس العكس. . العرب هم الذين استبدلوا الهوية" بالفن والثقافة والسياسة المصرية، أو لنقل لنطبق مبدأ الامتصاص لا الاستبدال ..
والسؤال هنا : هل أضرت الهوية الفرعونية العروبة"... أعتقد إن تكامل القوة هو السائد ..العروبة والإسلام لم يضعفا الهوية المصرية، بل أضفيا عليها بعداً قومياً وعالمياً... فمصر هي قلب العروبة النابض بفضل ثقلها التاريخي (الفرعوني) الذي أعطاها الريادة...
والعمارة الإسلامية خير شاهد ليس فى مصر فحسب لكن فى العديد من بقاع العالم ، مما دفع العثمانيون بعد ذلك مثلا بالإستعانة بالصناع والفنانين والحرفيين المصريين لتشييد عماراتهم فى تركيا !!
يسرى السيد
[email protected]