رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لحظة تمرد


معركة أستحقت المتابعة والإهتمام والتحليل ، أقصد معركة انتخاب عمدة جديد لولاية نيويورك ، ولمن أعتقد انها مجرد إنتخابات محلية لا تزيد عن اختيار حاكم لها من ضمن 50 ولاية ،أعتقد أنه رأي يحتاج للمراجعة والنقاش لأسباب كثيرة منها :
الفائز هو زهران ممداني، الذي قدّم نفسه كديمقراطي اشتراكي تقدّمي، وفي و بفوزه أصبح أول مسلم يتولى هذا المنصب في تاريخ المدينة، والمسألة ليست كونه مسلما فقط ، لأن الإنتماء الديني قد لا يكون مهما فى مجتمعات المهاجرين هناك، ولكن هناك الكثير من القضايا التى تستحق النقاش ..
أولا: تركيبته الثقافية والعرقية متعددة فهو من أصل هندى وعاشت اسرته في أفريقيا وبالتحديد فى أوغندا حيث الجالية الهندية الكبيرة قبل هجرتها للولايات المتحدة عندما كان زهران في الثامنة من العمر، إذ أصبح والده أستاذاً جامعياً في أمريكا أما والدته ميرا نير فهي مخرجة سينمائية ، يعنى ممدانى مسلم هندى افريقى امريكي ، اسيوى افريقى امريكا الشمالية.
وجاء توجهه اليساري ليزيد المعادلة سخونه وأعتقد إنها المهمة وبنجاحه هل سيكون ذلك إيذانا بكفر معقل الرأسمالية بها، وأين ؟ .. في نيويورك حيث أكبر عاصمة اقتصادية وسياسية و مالية عالمية حيث سوق الأوراق المالية ومؤشر الداو جونز ، حيث قلب الإقتصاد الحر النابض وقلب العالم السياسي حيث الأمم المتحدة ومركز التجارة العالمي وكلنا يذكر 11 سبتمبر حين ضرب أكبر برجين للتجارة العالمى، و هى المدينة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الولايات المتحدة.
وتعتبر مدينة نيويورك أحد أهم مراكز التجارة والمال في العالم، فهي عاصمة اقتصادية للولايات المتحدة لكثرة الشركات والبنوك العالمية فيها، ويوجد بها مقر الأمم المتحدة، وتوصف مدينة نيويورك بأنها العاصمة الثقافية والإقتصادية للعالم ، وبالرغم من ذلك تحتل المرتبة الثالثة بعد لوس أنجلوس وشيكاغو، من حيث النشاط الصناعي بوجود أكثر من 17,000 مصنع للملابس، وتنتج سدس إنتاج الولايات المتحدة من الطباعة والنشر، كما تنتج الأغذية والمواد الكيميائية، والأثاث والورق والمنسوجات،
المهم كانت المنافسة على منصب "العمودية " بين زهران ممداني، ، وأندرو كومو، الحاكم السابق للولاية والذى خاض السباق كمرشح مستقل بعد خسارته في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي. الذى فاز بها ممداني.
ويري البعض أن الإسلام والاشتراكية يتعانقان في قلب أمريكا الآن ، بعد أن هز السياسي الأميركي الشاب زهران ممداني ( 34 عاما ) الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية بسبب اراءه السياسية وتفكيره ، وبفوزه أصبح أول عمدة مسلم لنيويورك!
ويضع ممداني قضية انتماءه الأسلامي في إطار الحقوق المدنية، ويقول إن المسلمين في نيويورك يريدون أن يعيشوا بكرامة وأن تتم معاملتهم وفقاً لمبادئ المساواة في البلاد ، نعم المسلمون يشكلون أقلية في نيويورك لكن المدينة عموماً تضم أناساً من مختلف الأعراق والمعتقدات وبدت نسبة كبيرة من هؤلاء مؤيدة بثبات لممداني الذى نشأ فيها، وهي أكبر مدينة في الولايات المتحدة وأغناها من حيث الموازنة العامة، فمن يشغل منصب العمدة سيدير ميزانية سنوية تبلغ أكثر من 110 مليار دولار.
وانتماء ممداني للإسلام وقناعاته ومبادئه الاشتراكية ونشاطه السياسي المعارض لإسرائيل كانت أهدافا لخصومه السياسيين المحذرين من صعوده لدرجة تأييد العمدة الحالي إيريك أدامز لمنافسه ومحذراً من مصير سيء للمدينة إذا قادها الشاب المسلم.
والتركيبة السياسية والفكرية لممداني كانت سبب المعركة الساخنة، فهو ينتمي إلى الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي ، وقد نشط لسنوات في حركة التظاهرات المؤيدة للقضية الفلسطينية و التى تدين السياسة الإسرائيلية ، وهذا سبب أخر لسخونة المعركة ولطعم الفوز ، ورغم الانتماء الى الحزب الديمقراطي "حزب الرئيسين السابقين جو بايدن وباراك أوباما" ، لكن الجناح اليساري للحزب يؤمن الآن ويدعو إلى إحداث تغييرات عميقة في سلوك وسياسة الحزب وأمريكا عموماً ويبدو هذا جلياً في موضوع العلاقة مع إسرائيل إذ يؤمن ممداني واليسار بأن على أمريكا أن تغير سياسة دعم إسرائيل.
وطبعا قاد اللوبي اليهودى الحملة ضده لمواقفه من إسرائيل، خصوصاً أن نسبة مهمة من سكان نيويورك هم من اليهود. فقد اتهمته منظمات يهودية أمريكية بمعادة السامية، وقال حاكم ولاية نيويورك السابق أندرو كومو إنه "يؤجج نيران الكراهية ضد اليهود" – وهي اتهامات رفضها ممداني بشدة، ويقول إنه سيعمل على محاربة معاداة السامية في حال انتخابه.
و التوجه الإقتصادي لممدانى يثير الجدل فى عاصمة المال والاقتصاد العالمى وقلب الرأسمالية والاقتصاد الحر .. هو في أقصى اليسار الأمريكي، يقول بوضوح وقناعة إنه اشتراكي رغم أنه نشأ في أكبر بلد رأسمالي في العالم، وجذبت وعوده الاشتراكية كثيراً من أصوات الناخبين في نيويورك الذين عانوا ويعانون من غلاء المعيشة... والأكثر إنه خاطب ملايين المؤجرين بوعوده بمنع مالكي العقارات من زيادة الإيجارات وجعل ركوب السيارات العامة مجانا وتوفير الرعاية المجانية للأطفال أثناء انشغال أهلهم بالعمل.
وبهذه الوعود وبنشاطه وحركته الدؤوبة على الأرض بين الناس حقق ممداني الفوز...وكانت اللحظة الحاسمة السابقة فوزه في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي ليصبح المرشح الرسمي للحزب... وبما إن الغالبية الساحقة من الناخبين في مدينة نيويورك يؤيدون الحزب الديمقراطي، كان نجاح مرشح الحزب الديمقراطي بصورة كبيرة في الانتخابات النهائية ومنصب العمدة.
وطبعا المسألة ليست بالبساطة فالحزب الديمقراطي يعيش حالة انقسام بين جناحيه التقليدي واليساري، و جاء صعود ممداني ليجسد عمق ذلك الانقسام وحدته، وتجلى ذلك في موقف زعيمى الحزب في الكونجرس الأمريكي، وكلاهما من مدينة نيويورك أ بتأخر إعلان التأييد وشكله دعمه، لكن اتصال الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما لتهنئته دلالة أخرى !!
فاز ممداني رغم تدخل الرئيس الامريكى دونالد ترامب الذى ولد ونشأ في نيويورك المعركة، معتبرا مامداني شيوعياً وحذر الأمريكيين منه، وتهديده بممانعته في تمويل ميزانية نيويورك الفيدرالية ( 7.4 مليار دولار) إذا أصبح ممداني عمدة قائلا : "سيكون من الصعب عليّ كرئيس أن أمنح الكثير من المال لنيويورك، لأنه إذا كان هناك شيوعي يدير نيويورك، فإن كل ما تفعله هو إهدار الأموال التي ترسلها إلى هناك" و"إذا كان الخيار بين ديمقراطي سيء وشيوعي، فسأختار دائماً الديمقراطي السيء ". ومع ذلك منح الناخبون اصواتهم للمداني
ويصف نفسه بأنه اشتراكي ديمقراطي، لكن يرفض اتهامه بالشيوعية مازحاً بأنه "يشبه إلى حد ما سياسياً إسكندنافياً"، ولكنه أسمر البشرة..
وبخبث شديد يرى بعض الجمهوريين الفوز فرصة لاظهار ضعف الحزب الديمقراطي ويظهر جانبه اليساري المتشدد مما سينفر كثيراً من الأميركيين من الديمقراطيين في الجولات الانتخابية القادمة في عموم أميركا وليس في نيويورك فقط ..كيف ؟
يرون أن تنفيذ وعود مامداني سيحتاج إلى المال، ولا يخفي ممداني نيته زيادة الضرائب على الأثرياء ويرى خصومه أن هذا سيؤدي إلى هرب رؤوس الأموال وأصحاب الأعمال من المدينة مما سيؤدي إلى أزمة اقتصادية كبيرة، ويشيرون إلى أن السياسات الاشتراكية قد طُبّقت في بلدان عديدة في العالم لكنها فشلت وأدت إلى مزيد من الفقر والفساد والفشل... ومع ذلك منحه الناخبون أصواتهم
وتحدى ممداني خصومه مراهناً على واقع جديد وجيل جديد يراهن على التغيير ويريد تحقيقه وتجسيده، ويركز على غلاء المعيشة وكيف أنها تقلق مضاجع سكان نيويورك وتضغط عليهم مهما كانت أصولهم وانتماءاتهم. فوزه في الانتخابات سيثير الجدل والتساؤلات وربما يحمل المفاجآت وسيكون اختباراً كبيراً لقناعاته وانتماءاته. و بعد فوز ممداني المسلم بعد عمدة لندن ، يكونا أول مسلمين فى عمودية أكبر ولايتتين اقتصاديتين فى العالم ، فقد فاز بها صادق خان فى لندن مكبدا حزب المحافظين أسوأ هزيمة منذ 40 عاما ، وخان ( 53 عاما ) ابن مهاجرَين باكستانيَّين وأول رئيس بلدية مسلم لعاصمة غربية، أول زعيم للندن يحصل على ثلاث ولايات منذ إنشاء هذا المنصب في عام 2000
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة