رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

أنا مؤمن بعظمة مصر ومنحاز لمصريتي وتاريخها العريق ، وبالدور الذي قامت وتقوم به على مر العصور، فهي لم تكن يوما تابعة أو منقادة، بل كانت دائما صاحبة رسالة وقرار، تتحرك بثبات وثقة، وتعمل منفردة حين يتردد الآخرون، لتصنع على أرض الواقع ما تسعى إليه بإرادة لا تعرف التراجع. هذه القوة التي تنبع من عمق التاريخ ووعي الحاضر تجعل كثيرين يدركون مكانة مصر الحقيقية وهذا ما اكد ويؤكد عليه الرئيس الامريكي ترامب دوما ، وربما يشعر البعض بالضيق من حضورها وتأثيرها، لكن تبقى الحقيقة الثابتة أن مصر هي من تقود المنطقة نحو السلام، وتفتح الطريق أمام الاستقرار وسط عالم مضطرب. ومن هذا الإيمان العميق توقفت أمام كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في الاحتفالية الوطنية الكبرى التي حملت اسم و"وطن السلام"، لأتأمل كيف تجسد هذه الكلمات جوهر الدور المصري ورسالتها التي لا تتغير: أن مصر ستظل أم الدنيا، وصاحبة القرار في رسم ملامح المستقبل لمنطقتها بأكملها.

منذ لحظة وصول الرئيس إلى مقر الاحتفالية وتوقيعه على رسالة سلام من مصر إلى العالم، بدت ملامح الخطاب واضحة في دلالتها. فقد أراد الرئيس أن يوجه رسالة حضارية إلى المجتمع الدولي مفادها أن مصر، التي خاضت معاركها دفاعا عن الأرض والكرامة، اختارت اليوم أن تكون منارة للسلام، تزرع الأمل وتدعو إلى إنهاء الحروب والنزاعات عبر الحوار. لم يكن التوقيع على الرسالة إجراء بروتوكوليا، بل كان تجسيدا لرؤية مصر التي تؤمن بأن السلام الحقيقي لا يُصان بالشعارات وإنما بالإرادة والفعل، وأن من عرف قيمة الحرب هو الأقدر على فهم قيمة السلام. ولهذا
الكلمة التي ألقاها الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفالية وطن السلام بمدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الإدارية الجديدة لم تكن مجرد خطاب احتفالي، بل جاءت كوثيقة وطنية شاملة تفيض بالمعاني والدلالات، تعكس ملامح فكر الدولة المصرية الحديثة، وتؤكد أن السلام في وجدانها ليس خيارا عابرا أو تكتيكيا، بل نهج استراتيجي راسخ في سياساتها الداخلية والخارجية. حملت الكلمة روح أكتوبر المجيدة، وامتزج فيها معنى النصر بالكرامة، والبناء بالسلام، لتعيد إلى الأذهان أن عبور المصريين في حرب 1973 لم يكن عبورا ميدانيا فحسب، بل عبور نحو الاستقلال في القرار وصون الإرادة الوطنية التي شكلت جوهر الشخصية المصرية عبر التاريخ.

حديث الرئيس السيسي جاء امتدادا لتلك الروح، فكما خاضت مصر معركة التحرير في الماضي دفاعا عن أرضها، تخوض اليوم معركة أخرى من أجل السلام العادل، مسلحة بالحكمة والإرادة. وقد جسد نجاح مؤتمر قمة شرم الشيخ للسلام ملامح هذا النصر الجديد، حيث تمكنت مصر من فرض رؤيتها الإنسانية والسياسية في واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدا، فكان قرارها المنفرد برفض تهجير الأشقاء الفلسطينيين من غزة وتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار انتصارا وطنيا ودبلوماسيا يضاف إلى سجل بطولاتها، تأكيدا على أن إرادة مصر قادرة على صناعة الفارق حين تتقدم بشجاعة في وجه محاولات فرض واقع جديد على المنطقة. لقد انتقلت مصر من نصر عسكري في أكتوبر إلى نصر سياسي وإنساني في شرم الشيخ، لتثبت أن القوة لا تقاس بما تملكه من سلاح، بل بما تمتلكه من وعي وإصرار واستقلال في القرار.

الكلمة حملت أيضا بعدا ثقافيا وإنسانيا عميقا، حين توجه الرئيس بالشكر إلى الفنانين والمبدعين الذين شاركوا في الاحتفالية، مؤكدا أن الفنون والثقافة جزء من القوة الناعمة لمصر، وأنها تمثل خط الدفاع الأول عن الوعي الوطني، وتعيد ترسيخ قيم الانتماء في مواجهة حملات التشويه والتيه الثقافي. كان حديث الرئيس هنا تجديدا للإيمان بدور الثقافة كرافعة للسلام الداخلي، وأداة لإحياء روح التماسك بين أبناء الوطن الواحد.

وتوقف الرئيس عند معاناة الشعب الفلسطيني ومعركة غزة، فوجه الشكر لله على وقف الحرب بعد عامين من المأساة، مشيدا بجهود الدولة المصرية التي تحملت مسؤولياتها التاريخية دفاعا عن الإنسانية، مؤكدا أن مصر تمارس دورها كقلب المنطقة النابض، لا تسعى إلى مكاسب سياسية ضيقة، بل إلى استقرار حقيقي يعيد التوازن ويصون الحقوق. كانت تلك الرسالة تأكيدا على أن السلام في فكر القيادة المصرية لا ينبع من ضعف، بل من وعي وقوة وثقة بالنفس، وأن مصر ما زالت المرجعية التي يلجأ إليها الجميع حين تختلط المسارات وتتأزم القضايا.

وفي حديثه عن أكتوبر، أشار الرئيس إلى أن النصر لم يتحقق بقوة الجيش وحده، بل بإرادة الشعب الذي رفض الهزيمة، وهي إشارة تعيدنا إلى جوهر العلاقة بين القيادة والشعب، حيث يصبح النصر ثمرة إيمان جماعي لا مجرد إنجاز عسكري. هذا الربط بين الماضي والحاضر منح الكلمة بعدا فلسفيا عميقا، فالتنمية التي تشهدها مصر اليوم ليست مجرد مشاريع عمرانية، بل امتداد لمعركة التحرير ذاتها، فكل طريق جديد وجسر ومصنع هو عبور آخر نحو المستقبل.

أما دعوته للجامعات والمدارس والمؤسسات لتنظيم زيارات إلى سيناء فحملت معنى أبعد من السياحة، إنها دعوة للعودة إلى الجذور، إلى الأرض التي سالت عليها دماء الشهداء، ليشاهد الأبناء بأعينهم ما تحقق عليها من إعمار وبناء، وليتعلموا أن السلام لا يُمنح بل يُصنع بالإرادة والعمل. أراد الرئيس أن يجعل من سيناء مدرسة في الوطنية، تربط بين بطولات الأمس وإنجازات اليوم، فيتحول المكان من ميدان للمعركة إلى رمز للسلام والازدهار.

واختتم الرئيس كلمته بتأكيد مبدأ الثبات على الحق، مشددا على أن اتخاذ القرار مسؤولية كبرى، وأن مصر لا تتعدى على حقوق الآخرين، لكنها لا تتنازل عن كرامتها أو مكانتها، وهي رسالة تترجم ثوابت السياسة المصرية القائمة على التوازن بين القوة والإنصاف، بين المبادئ والمصالح.


أخيرا

هكذا قدمت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفالية وطن السلام دراسة واقعية لمفهوم السلام في فكر مصر علي مدي تاريخها ورسالتها ، ربطت بين نصر أكتوبر العسكري ونصر شرم الشيخ السياسي، لتؤكد أن مصر التي علمت العالم معنى الصمود لا تزال تكتب فصولا جديدة من القوة الهادئة التي تقود المنطقة نحو الاستقرار. إنها كلمة تختزل عقيدة وطن يختار أن ينتصر مرتين: مرة بالسلاح دفاعا عن الأرض، ومرة بالعقل دفاعا عن السلام والإنسانية.
وهكذا تحولت احتفالية وطن السلام من مناسبة فنية إلى لحظة وعي وطني، جسدت رؤية قيادة تؤمن بأن قوة مصر لا تكمن في ما تملكه من أدوات الردع فحسب، بل في ما تحمله من قيم إنسانية راسخة. إنها رسالة من رئيس إلى شعبه وإلى العالم بأن السلام ليس غيابا للحرب، بل حضور للعقل والإرادة والإيمان بوطن لا يعرف الهزيمة.
لنؤكد ان "وطن السلام.. من قلب الاحتفالية الكبرى تنطلق رسالة مصر إلى العالم".


مصطفي البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة