رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


ثمة لحظة غامضة يتقاطع فيها الضوء بالعتمة داخل ذهن الكاتب؛.. في لحظةٍ ما، عند تخوم الصمت، تنبثق الكتابة كوميضٍ من الوعي يطلب تفسير نفسه. ليست فعلاً لغوياً فحسب، بل محاولـةٌ لفهم ما يتعذّر فهمه، واستنطاق الغموض الكامن في الوجود والذات.
هناك حيث تبدأ الكتابة لا كحرفةٍ تُمارَس، بل كحالةٍ كونيةٍ تُستَحضَر. عند تخوم الفكر، يتجلّى السرّ الذي يجعل من الحرف طاقة حيّة، تمتد بين الذات والكون، بين المعلوم واللامرئي. إن الكتابة ليست فعلاً ذهنياً فحسب، بل هي رحلة روحية نحو المجهول، محاولة للإمساك بما لا يُمسك، ولرؤية ما لا يُرى؛ فكل نصّ يولد من حيرةٍ كونية، ومن شوقٍ دفينٍ إلى الفهم، ومن هذا الالتباس العذب بين الأنا والعالم، ينشأ ذلك "السحر"، الذي هو جوهر الكتابة وسرّها الأبدي.
والكاتب حين يكتب، لا يصف العالم، بل يعيد خلقه وفق إيقاعٍ داخليّ يتجاوز حدود العقل والمنطق. هناك، في تلك المسافة المعلّقة بين الفكر والإحساس، يتحوّل القلم إلى أداة معرفة، والكتابة إلى تجربة وجودية، يتماهى فيها الإنسان مع الكون، باحثاً عن معنى يبرّر هذا التوهّج الدائم بين الضوء والعدم.
وشيئان، لا متناهيان، ليس لهما حدود.. الكون والإنسان.. ولست متأكدا لماذا ولسنوات عديدة، حيرتنى مثل تلك الأسرار. لمَ أهتم بمسائل غريبة عن الكون، وعن الحياة وعن نفسي. لا أستطيع أن أفهم، لماذا أعتقد أننى غير نفسي. لماذا شعورى أن شخص ما، هو أنا. أو أننى لا أعرف هذا أو ذاك.. لست أنا. أخيرا، لا أعرف، إلا مثل حقيقة تتحول، إلى ذرة تغيب، تتلاشى، فى أعماق أكوان موازية. راهنت نفسى، على هذا الإحتمال. أن الكاتب يخبرك ما يشبه أن يكون. ما يمكن أن يكون إنسان ما. أن تبحث عن ذلك، فى ممارسة عقيمة، فى قراءة، سؤال لا معنى له. كل ما هنالك الشيء الوحيد، الذي يثيرنى أكثر، أن نعيش بين افتراضات وخرافات. إذ يجب أن تشاهد الكثير، لتعرف معنى الحياة، وكيف تسير. حسنا، أعتقد فعلا أن هذه حقيقة، إلى حد ما. بدأت بالكاد أفهم كيف تكون. كأننى إنسان آخر، لا أكاد أعرف من أنا.. أو ما أعنيه. أتمنى أن يكون لدي نوع، من الخيال، يسمح لى، أن أرحل خارج حدود الوعى. أتجه إلى ما يجب. أطلق العنان لأحلام، وتأمل ذاتية، وراء العقل. بين نجوم أراها، بعينى روحى، فيما لا نهاية الكون والوجود. من ينكر أن هذه اللحظة، بكل ما فيها من غرابة وإثارة، هى لحظة حقيقة، تتجاوز بنا، حدود الزمان والمكان، في كون لا نهائي ممتد. وأي شيء يمكن تصوره، مع حياة، قد تكون موجودة، في مكان ما. مثلما تصل للنجوم، لأبعد ما يكون، من مكان. تصل إلى عمق نفسك، فى رحلة بعيدة واسعة المدى.. هذا هو الشيء، ولكن في اتجاه معاكس، من الإلهام العميق. وهذا ما نشعر به عندما نكون على اتصال روحى، مع جمال الكون الآخاذ. هذه إثارة ما نلقاه، فى رؤية النجوم، في ليلة ظلماء. تسمع معها صوت السكون، وسيمفونية سماء بديعة. ورغم ذلك، هى تأملات تثير ضجة مستمرة وكبيرة، فى النفس، لذكرى بعيدة، لم تنته بعد. ذهبت مع الزمن. لا يمكن أن نستعيدها، من قبضة النسيان. هذه هي الحقيقة، ولا أكثر من ذلك. ما أعرفه وأهتم به. وكذلك أفعل. الخروج من هذا العالم، إلى عالم آخر، ونبضى يتطابق، مع إيقاع الكون. على الأقل بعض الأفكار العظيمة، في نهاية المطاف. أن أحاول معرفة أنا، وأن تدرك أنت.. أين تكون..؟
والتفكر فى مثل تلك الأمور التى تستفز الكاتب، تناديه ليكتب، وهى بالفعل تجعله كذلك.. وتتسائل.. فيما يجعلك تستغرق فى نصّ ما، تقرأه.. أهو حرفية الكاتب، أم التعلق به، فيما قرأت له من قبل.. أم أفكار تناسب ما تحب القراءة فيه.. أم اللغة.. أم الأسلوب ؟!
ومن هنا تجد معاناة الكاتب وأفكاره.. أنت تقرأ مثلا لجوزيف كونراد، أو صمويل بيكيت، أو ألبرتو مورافيا، أو هيرمان هسّه، أو فرانز كافكا..، وغيرهم، على إختلاف مدارسهم الأدبية، والزمن الذى ينتمون له.. فتجد تلك الأرواح المبدعة التى إنصّهرت فى الأفكار، وبالتالى النصّوص.. وحينما تستوعب تجربة كل منهم، تشتهى الكتابة كما تذوقوها.. رحلوا وبقى ما أبدعوه.. بل تتمنى لو لم تكن قد كتبت شيئا قبل ذلك، حتى تصل إلى هذا الإحساس العظيم.. وحتى تكون أنت نفسك.. وليس الأمر مقتصرا على الأدب من رواية أو قصة قصيرة وغير ذلك.. يجذبنى إليها ما أشرت إليه من قبل، مطلقا عليه "الدراما الخفية".. وكيف نجد لذة ومتعة القراءة، عبر ما تحمله اللغة من أفكار ومعان ومضامين.. ورغم أنى كرست وقتا غير قليل، ذى قبل، بل أمضيت فترة طويلة وزمنا لا بأس به، فى محاولة إدراك ماهية الكتابة، ووضعت عدة مقالات فى هذا الشأن من كتاب فى ماهية الكتابة والإبداع.. إلا أننى لم أستطع إلى الآن الجزم بشئ حيال فهمى لكثير من الأمور،.. تتعلق بكيف ولماذا ولمن نكتب.. حتى يصبح النصّ حقيقة قائمة أمام ناظريك.. فمنذ البداية تظل هناك نقطة وحيدة لا تستطيع لها تفسيرا، إلى أن تقودك الصدفة وحدها لتعرف مصدر السّرور أو مبعث الألم ومنبعه، فيما تقرأ من نصّوص.. الكتابة عموما دائرة واسعة، لا تخلو من أن نرى فيها نصّا قد بدأ سريعا وإنتهى سريعا، لكنه بلا أثر.. وآخر قد يستغرق وقتا طويلا، لكنه يترك أثرا عميقا.. غائرا وكبيرا.. يكاد لا ينتهى ويستمر حتى بعد حياة كاتبه، وأنت وراءه ساعيا بكل جهدك لتكتبه.. تواصل خطوة إثر خطوة لتكوين رؤية معينة.. ترى نفسك متعثرا هنا وهناك، قبل أن تصل إلى هذا العمق.. وهكذا، لا يفرغ الأمر من إنطفاء جذوة للفكر، حتى تتقد أخرى من جديد، حول فكرة ما غامضة، لا تراها إلا فى فكرك وحدك.. وتتجاوز مسألة غموضها وتكتشف بصورة أساسية، أن الأمر ما عاد يتعلق بأسلوب أو بلغة، يمكنك الإختيار من بين طرقهما المختلفة، بقدر ما يتصل الموضوع بفكرة ما تستولى عليك وتأسرك تحت رحاها، فيما يعرف بالكتابة الذهنية المحضّة.. وهى تلك التى يضع فيها المبدع روحه وإحساسه، قبلما تطبق عليه بين تفاصيلها، تودى بك حتما إلى مداد القلم.. أمر لا يتم فقط فى شعاب العقل، بين الوعى واللاوعى، ولكنه يتصل بتلك الموهبة الحقيقية التى تنطلق بك لتكتب وتكتب.. ثم تلقى نفسك وأنت تكتب رغما عنك،.. لينطلق ما كتبته بالقارئ فهما وتأويلا وإحساسا كبيرا.. لكنها لحظات نادرة فعلا، وحالة فريدة للكاتب، ولطالما يبحث عنها، قبل أن تجده ويجدها.. على هذا النحو أصبحت ميّالا لهذا النوع من التأمل.. وأتوقف كثيرا فى تقليب الأمور، فى ذهنى.. ومع الوقت تعيد النظر فى كثير مما كنت قد شرعت فيه، قبل ذلك.. وحتى فى صيرورة القراءة الدائمة، تمسي وأنت تحاول الإنتقاء أكثر، لتقرأ بهذا العمق التحليلى وتغوص لتلتقط أفكار النصّ المحورية.. تصل إلى دلالاتها ومعانيها.. وتتحقق من المضمر، وما توارى خلف المعانى، التى تتوارد إلى الذهن، مع الإنطباع الأوّلى، وفى الوهلة الأولى.. بعيدا، عن دائرة الفهم الضيقة أو السطحية فى إدراك لغة الكاتب أو الأديب، ومستوى أسلوبه.. الأمر يجعلك تعيد قراءة كثير من النصّوص كنت قد قرأتها من قبل، وتنخرط بنوع من الحماسة الجديدة، لتكوين وجهة نظر معينة، حول ما لم يصرح به الكاتب، وبعيدا عن أى تخمين أو توقع لك.. أتقصى نضجه الفكرى.. ولنفس السبب، يدهشنى أدب السيرة الذاتية.. وهذا من روعة الأدب ومتعة تلقى النصّوص بهذا الإحساس والتأمل.. وعلى هذا فإيجاد ما يمكن أن يشكل معرفة وفهما نحو الكيفية التى تتم بها الكتابة أمر هام وضروى لتحقيق النماء والنضج أكثر.. فى النهاية معرفة ماذا يقول النصّ، ومحاولة لتقييم الأدب والأديب.. بل وإعتبار الأمر مفتاحا لفهم جوهر الأدب نفسه، ربما نقف على فهم وعلى نحو شامل، لكن ليس بالضرورة يكون جوهريا بما يرضي بسعادة غامرة تبدد كل توتر وقلق.... وعامة فمثل هذه التطورات تشكل جزءا من تاريخ وتطور أى كاتب.. تقدم صورة أكثر وضوحا عنه، وتجربته التى ينقلها للغير.. ولا أحد يصبح راضيا عن نفسه لطالما وقع فى هذه الدائرة، ولم يعرف كيف يخرج من حلقاتها المتتابعة إلا بإبداع جديد،.. ونصّ، له تأويل بعد تأويل.. وهى متعة ولذة الكتابة، وبالتأكيد القراءة أيضا..
وفى مجال القصّ والسرد.. فإن الفكرة كائن حىّ تعطيه أنت من روحك تلك الكينونة، بل وإستمرارية الحياة بعد أن تكتب النصّ.. والسؤال: كيف تبدأ القصة.. أبواقع مجتمع.. أبمكان.. أبزمان.. أبشخصية.. أبحدث أو واقعة معينة...؟!
وليس المقصود بداية النصّ وكيف يشرع الكاتب فيه.. لكن كيف تأتى الفكرة الأساسية.. كيف يبدأ مضمونه فى التبلور والتشكل.. كيف تتسلسل التفاصيل، على نحو ما فى الذهن، قبل أن تتشكل فى النصّ؟!
فأحيانا تشاهد أمرا ما، فتنعكس آثاره على مخيلتك وعقلك.. وأحيانا، تقرأ خبرا ما.. وأحيانا، يكون الأمر إلى خبرتك فى الحياة وما صادفت من أمور.. وأحيانا، تقابل شخصا ما ويترك إنطباعا.. فتأتيك الفكرة ،.. وهكذا، فمصادر الأفكار متشعبة وروافدها كثيرة.. ولكن ما يقرّ فى الذهن فقط منها، ليس فقط مايؤثر على عاطفتك ويلهمك، لكن ما يقول فى النهاية أمرا ما، وشيئا ما.. ومن النادر تحقيق أي شئ، قبل أن تتأمله وتفكر به، وليس الأمر عملية آلية نمطية.. فقد تصبح الفكرة رد فعل ضد الواقع، ورمزا.. تشكل أنت من خلالها واقعا موازيا، موطنه الأساسى فى الخيال.. ورغم تعدد روافد الأفكار وكثرتها، على هذا النحو، قد تجد نفسك فى غالب الأمر، عاجزا عن كتابة نصّ واحد.. وهذه إشكالية تتجدد، إذن الأمر لا يتعلق بالفكرة فقط، إنما يتعلق بشخص وجوهر الأديب وعملية الإبداع.. كينونة الكتابة نفسها، وإلا كان كل يوم قصة وإثنتين وثلاث، أو عدة نصّوص، وعشرات الكتّاب والأدباء.. إن تعلق الإبداع بنفسية الكاتب أمر لا شك فيه.. ورضاه عن نفسه فيما يكتب أمر لا يحدث كثيرا.. ومن يقف على هذه الكيفية والطريقة التى تتم بها عملية الكتابة الذهنية، أولا فى العقل قبل أن تعرف طريقها إلى القلم، يصل إلى سرّ كبير، ويستطيع أن يحل لغزا مستغلقا.. وربما هذا هو الدافع الأول فيمن كتبوا عن عملية الإبداع.. بل والسبب الرئيسى لقلة من الأدباء والكتاب، كتبوا عن إبداعهم من خلال سيرهم الذاتية،.. كيف كتبوا ولماذا كتبوا.. بإختصار ما هى الكتابة وكيف تتم.. وبهذه النتيجة، ليس كل من يكتب كاتبا، وليس كل من وضع نصّا أديبا.. نتيجة حتمية قائمة على التفكر والتأمل.. النصّ الذى يترك الأثر العميق والقوى على نفس القارئ وروحه فقط، هو المؤشر والمعيار.. ولا تصبح اللغة مجرد وسيلة ووعاء حامل، أو ما يؤدى إلى تحقيق ذلك، حتى وإن كان الأمر يتعلق بالقصّ سردا ووصفا (راجع مقال النصّ بين الوصف والسرد)..
كما عليك أن تواجه إشكالية أخرى تتعلق بالأسلوب والمستويات اللغوية المختلفة، مما يجرى فى سياقات النصّ المختلفة.. إضافة إلى سياقات تركيب الجمل، وظاهرة العدول اللفظى، ومناحى الروى ومن يروى، وغير ذلك.. مما يصدمك بالدهشة، وبما لا تظن وجوده فى النصّ من معنى ومضمون، وهو موجود فعلا متوار.. تلك المفارقات الغريبة التى تتراكب كلها، لتؤدى الى تشكيل نصّ مؤثر وقوى، يحكى ماحدث.. فى النهاية، ما يؤدى إلى تشكيل أعماق الكاتب وبنيته، فى جوهره الصافى..
وإلا بقدر ضئيل من رغبة، وأمام جموح الحياة، وسيطرة غرورها، وبشكل غير عادى.. أحيانا، لا يكون أمامك إلا مطاردة أفكار أو آراء غامضة، ضد زيف مشاعر وخيالات من أحاسيس، تصدمك بها الحياة. ولا يبقى فى النهاية، إلا حقيقة وحيدة. لا ترى سواها، ولا تهفو إلا إليها دائما، بينك وبين نفسك. وهكذا، فهناك دائما أمر ما. وهكذا يكون الشأن، من حين إلى آخر، وتلك الأفكار الغريبة، التى تظل ماثلة، وعلى نحو غريب. تتردد هنا وهناك، فى العقل. ويظل الفكر والتأمل، بصورة حية صادقة، بحثا عن الحقيقة. سواء أكتبت أو لم تكتب. وغالبا، ما تكون تلك الفترة المشرقة، التى تسطع فيها الحقيقة، فيما نكتب والعقل والذات، فى حالة إنفصال تام، عن الواقع.. تسمع صوتا، لا تعرف مصدره. لا يكاد يتلاشى حتى يظهر. يرتفع من جديد. تطارد معه الفكرة وتطاردك. لا تشعر بمرور وقت، ولا صيرورة زمن. لحظة آنية ممتدة، فى النفس. تنهل منها، فى عالم خيال. هذا هو الإحساس العظيم المسمى بالكتابة. ربما فيما لم ولن يقرأه أحد، إلا بعد أن يستقر فى نفسك.. أما ما يكون، بين دفتى اليوم والنهار، وأنت فى هذه الحالة، فغالب الأمر تحتفظ به، لحاجة فى نفسك. وما يهرب ليقرأ، ما هو إلا شذرات، وربما وضعت صورته الكاملة يوما ما، كما هى بين يدى العقل، وعلى الأوراق.. وتلك فقط، هى الأوقات المحفوفة، بصداع يموج فى الرأس. فى حين تتسائل:

ماذا فى الأمر؟..
أشبه برنين أجراس تدق فى الرأس، تغيب فيها الروح. وفى دقائق قليلة، ما إن تصل إلى تلك الحالة، تجد هذا التوحد والتلاشى، وفى نفس الوقت بين عالمى الخيال والواقع، ويدب الدفء في الأفكار، ممتدا إلى الروح والعقل. عندئذ، ندرك هذا الجانب من سحر الكتابة. ذلك هو الشئ المضئ فى النفس، الذى يتسلل إلى مداد القلم، وإن إختفيت فيه أنت، لتبقى هى. تظهر ملامح وتخفى تعبيرات، لا يمكن رؤيتها. وتشعر أنك بحاجة إلى مزيد ومزيد، من غياب الذات، فى الفكرة بقسط وافر من الجمال، لتقوى وتشتد. لتملأ أماكن شاغرة، فى الروح.. وتقول بعدها: الأمر الآن على ما يرام.
وليس هناك حاجة، على الإطلاق فى توصيف هذه المسألة، إلا لأنفسنا.. نفهم ونعى وندرك ماذا هناك، على تلك الحافة، بين العقل والجنون.. هل هو الإبداع. هل هى راحة نفسية. هل هى المعانى. هل الأمر فى نهايته، مسألة أن نكون. أم أننا فعلا لا نكون إلا بهذا..؟ ومن هنا، تأتى المعاناة والألم.. حتى نصل إلى طبيعة الكتابة وسحرها فى الروح.. بالطبع، هذا سبب خفى لقراءة بعينها، من أجل الإحساس بهذا الدفء الغريب، الذى تبثه فى النفس نصوص فريدة من نوعها.. وليس لغيرها هذا الأثر. معرفة وضياء وإحساس بمعنى، يصل إلى أعماقنا. ومرة أخرى، يترامى إلى سمعك، من جديد هذا الصوت الغامض، وتذهب بك نظرة، تتجه إلى عنان السماء. شئ كبشارة الصبح، بهذا اللون الوردى الغريب. تشعر أنك على وشك العثور على نفسك، فتعتريك دلائل الدهشة. تنظر فيما حولك، ولا ترى شيئا. وفى وقت، ترى فيه بعينى عقلك كل شئ، بما فيه الكفاية. وأحيان أخرى ورغما عنك، لا تشعر إلا برغبة مواصلة، تلك النظرة الخالية من أى حياة، أو إهتمام بها، كمن فقد الوعى. بما يشبه إحساسا ببرودة شديدة، تسرى فى الأوصال، فينعدم الإحساس، وتموت موتا بطيئا، الأفكار. لا تدرك كم من الوقت مضى، وكم يبقى لتقضيه.. بل الأكثر دهشة من ذلك، أنك نفسك، لازلت على قيد الحياة، ولا طالما تحسب عليها. وفى أحيان أخرى، لولا حدوث أمر ما فجأة، ما حدث شئ فى النهاية، وما كتبت ما لا يخطر على بال، أو خاطر. فقد ترى بالمصادفة أمورا غريبة، تدور من حولك، فتحس بشعور الإكتشاف، وتدرك معناه فى متعة شديدة.. وإن لم تكتب للناس، أو ليقرأ أحد.. ومن المحتمل، أنك لم تكن كذلك، على الإطلاق، ولم تكن تفكر فى شئ، من هذا القبيل، فى يوم ما. ولكن بت تفعل، محاولا أن تعرف ذاتك..
في نهاية المطاف، تبدو الكتابة كمرآةٍ للروح أكثر منها وسيلةً للتعبير؛ نكتب لا لنفهم العالم، بل لنتصالح مع غموضه.
كل نصّ هو محاولة عبورٍ إلى ضوءٍ خفيّ يسكن أعماقنا، نقترب منه كلّما ابتعدنا عن أنفسنا.
وهكذا، تظل الكتابة فعل وجودٍ خالص، نكتب به لنكون، أو لنتذكّر أننا ما زلنا نحيا.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة