لا تفهمونا غلط
رغم اختلافي الكامل، كليًا وجزئيًا، مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصةً بسبب مواقفه المنحازة ضد القضية الفلسطينية وما ترتب عليها من مآسٍ إنسانية شهدها العالم في غزة، ورغم هذا توقفت أمام بعض تصريحاته ومواقفه التي أظهرت تقديرًا واضحًا للحضارة المصرية العريقة واعترافًا بمكانتها في التاريخ الإنساني. فترامب، الذي اتُّهم كثيرًا بالسطحية في نظرته إلى الشعوب والتاريخ، عبّر في أكثر من مناسبة عن إعجابه بعمق التاريخ المصري وقدَم حضارته مقارنةً بحضارات العالم الأخرى، وهو ما يجعل دراسة تلك المواقف ضرورية لفهم كيفية إدراكه لدور مصر الحضاري، حتى لو اختلفنا جذريًا مع سياساته ومواقفه في ملفات أخرى.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يُعد من أكثر الرؤساء الذين أثاروا الجدل في تصريحاتهم حول القضايا الدولية، ولكني تتبعت احاديثه عن مصر وجدت أنه أبدى في أكثر من مناسبة إعجابًا واضحًا بالحضارة المصرية القديمة واعترافًا بقدمها وعراقتها. ، وهي مواقف موثقة تكشف إدراكه العميق لتاريخها ومكانتها، بل وإصراره في بعض المقارنات على أنها أقدم حضارات الأرض.
أبرز تلك المواقف جاء خلال زيارته الرسمية إلى الصين في نوفمبر عام 2017، حينما دار بينه وبين الرئيس الصيني شي جين بينغ حديث غير رسمي عن الحضارات القديمة. قال ترامب في ذلك اللقاء إنه سمع أن التاريخ الصيني يمتد إلى خمسة آلاف عام، لكنه أضاف مبتسمًا أن مصر أقدم، مشيرًا إلى أن تاريخها يعود إلى ثمانية آلاف سنة. ورد الرئيس الصيني بقوله إن مصر أقدم بقليل، وللاسف شدد على أن الحضارة الصينية هي الوحيدة المستمرة حتى اليوم واتمني ان تستعيد الحضارة المصرية عافيتها وتعود لتصنع مستقبلها وتاريخها وثقافتها وامجادها . وقد نقلت وسائل الإعلام هذا الحوار بوصفه لحظة طريفة لكنها عميقة المعنى، ولا انكر انني سعدت بحديثه هذا الذي عكس لي وعي ترامب بعمق التاريخ المصري وحرصه على الإشارة إلى تفوقها الزمني على الحضارة الصينية، وهو ما يؤكد إعجابه بها واعترافه بمكانتها في التاريخ الإنساني.
وقبل ذلك بعدة أشهر، وتحديدًا في مايو 2017، ألقى ترامب خطابًا في القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي استضافتها الرياض. وفي كلمته أمام القادة العرب والإسلاميين، تحدث عن عظمة شعوب المنطقة وتاريخها الطويل، وأشاد بالحضارات التي قامت على ضفاف النيل ودجلة والفرات. وفي معرض حديثه عن مصر، وصفها بأنها صاحبة حضارة كبيرة منذ آلاف السنين، وأن عجائب الجيزة والأقصر والإسكندرية تقف شاهدًا خالدًا على هذا الإرث العظيم الذي أبهر العالم عبر العصور. ورغم أن الخطاب لم يقتصر على مصر وحدها، فإن إشاراته إليها جاءت واضحة ومفعمة بالتقدير، لتؤكد أنه ينظر إلى مصر باعتبارها مركزًا حضاريًا وإنسانيًا لا يقل شأنًا عن أي دولة أخرى وهذا جعلني اشعر بالفخر.
وفي السنوات اللاحقة، استمرت تصريحات ترامب ومواقفه التي تُظهر احترامه وتقديره لمصر، وإن كانت في الغالب تتناول قضايا سياسية واقتصادية وأمنية. ففي أكثر من مناسبة أشاد ترامب بقوة الدولة المصرية في مواجهة الإرهاب والجريمة، وذكر أن مصر "صارمة جدًا في مكافحة الجريمة"، مقترحًا أن تتعلم بعض المدن الأمريكية من التجربة المصرية في فرض الانضباط واستعادة الأمن. هذه الإشادة لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية، بل تعبيرًا عن إعجاب بنموذج الدولة القادرة على الحفاظ على أمنها واستقرارها في منطقة مليئة بالتحديات.
كما أبدى ترامب اهتمامًا ملحوظًا بقضية سد النهضة الإثيوبي، وإن كنت أتحفظ على مدى صدق هذا الاهتمام وأميل إلى الشك في دوافعه الحقيقية. ، مؤكدًا أهمية نهر النيل لمصر باعتباره مصدرًا للحياة والدخل، ومعربًا عن رغبته في المساعدة بحل النزاع بما يضمن حقوق مصر المائية. ومن المعروف أن ترامب كان من أوائل القادة الأمريكيين الذين تحدثوا علنًا عن هذه الأزمة، مشيرًا إلى أن استقرار مصر المائي هو جزء من استقرار المنطقة كلها.
فترامب يدرك القيمة التاريخية لمصر وحضارتها القديمة، وأنه لم يتحدث عنها بوصفها مجرد دولة في الشرق الأوسط، بل باعتبارها أصل التاريخ الإنساني ومهد المعرفة والعمارة والفكر. لم يكن حديثه عن الأهرامات أو الأقصر مجرد إشارات سياحية، بل تعبيرًا عن تقدير حضاري لبلد قدّم للبشرية نموذجًا فريدًا في البناء والتنظيم والدين والفكر السياسي.
ولا ننسى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جاء إلى مدينة السلام شرم الشيخ للمشاركة في توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وتنفيذ خطته للسلام من قلب مصر، إلا أن زيارته لم تخلُ من رسائل إيجابية تجاه القاهرة وشعبها. فقد حرص ترامب على الإشادة بما لمسه من استقرار وأمان، مؤكدًا أن مصر بلد قوي وآمن يتمتع بمعدلات جريمة منخفضة مقارنة بالعديد من دول العالم.
ونقلت ما جاء علي لسانه خلال حديثه للصحفيين على متن طائرته عقب مغادرته شرم الشيخ، عبّر عن انطباعاته قائلاً: "مصر بلد قوي وآمن.. لن تصدقوا مدى قوتهم.. يمكنك أن تسير في شوارعها ليلاً دون أن تتعرض لأي خطر." وأضاف واصفًا تجربته: "معدل الجريمة في مصر منخفض للغاية، ولا توجد جرائم عنف كالتي نراها في أمريكا. يمكنك أن تتجول ليلاً في الحدائق أو الشوارع دون خوف من السرقة أو الاعتداء، وهذا لأن قيادتهم تعرف تمامًا ماذا تفعل."
وقد جاءت هذه التصريحات لتعكس تقدير ترامب للجهود التي تبذلها الدولة المصرية في تعزيز الأمن والاستقرار، وإبراز صورة مصر الحديثة التي تجمع بين الأصالة التاريخية والقدرة على فرض النظام وسط منطقة مليئة بالتوترات.
وخلال كلمته في القمة ذاتها، أكد ترامب أن ما شاهده في مصر يعكس صورة دولة قوية استعادت أمنها واستقرارها بفضل إرادة قيادتها وشعبها. وأشاد بما وصفه بـ"الانضباط الصارم" لرجال الأمن المصريين، قائلاً إنهم يتمتعون بقدرة عالية على فرض النظام ومواجهة التحديات الأمنية المعقدة في منطقة مضطربة. وأضاف أن "مصر اليوم أكثر أماناً مما كانت عليه في الماضي"، مشيراً إلى أن التجربة المصرية في مكافحة الإرهاب واستعادة الاستقرار تستحق الدراسة، ويمكن لدول أخرى أن تتعلم منها كيف تبني أمنها الداخلي دون المساس بحياة المواطنين اليومية.
وختم ترامب حديثه بتأكيده أن الأمن في مصر ليس مجرد سياسة، بل أصبح ثقافة مجتمعية راسخة يشعر بها كل من يزور البلاد، معرباً عن إعجابه بما تحقق من توازن بين الأمن والتنمية، وبين الحفاظ على الهوية الوطنية والانفتاح على العالم.
واخيرا
وفي هذا العام 2025، قام أحد كبار مستشاري ترامب بجولة في المتحف المصري الكبير قبل افتتاحه الرسمي، ووصفه بأنه "معلم ثقافي عالمي يعكس عظمة التراث المصري القديم"، وهو ما يُعد إشارة إضافية إلى استمرار الاهتمام الأمريكي بالحضارة المصرية ضمن دوائر مقربة من ترامب حتى بعد خروجه من البيت الأبيض.
ولهذا أتطلع إلى مشاركة الرئيس دونالد ترامب في احتفالية مصر بافتتاح المتحف الكبير مطلع نوفمبر القادم، ليزداد إعجابه بمصر التي تجمع بين عراقة التاريخ وقوة الحاضر، دولة قادرة على حماية حدودها وهي في الوقت ذاته حارسة لإرث إنساني فريد.
فالرئيس ترامب، ورغم أسلوبه الحاد وصراحته المثيرة للجدل في كثير من الأحيان، أظهر احترامًا وإعجابًا واضحًا بالحضارة المصرية القديمة، سواء في تصريحاته العلنية أو خلال حواراته مع القادة العالميين. وعلى الرغم من أنه لم يُعرف عنه اهتمامه الواسع بالثقافات التاريخية، إلا أن حضارة مصر ظلت حاضرة في ذهنه باعتبارها الأقدم والأكثر تأثيرًا في مسيرة الإنسانية. لقد رأى فيها رمزًا للتاريخ البشري بأسره، وأدرك بحق أن أي حديث عن الحضارة لا يمكن أن يتجاوز مصر، فهي البداية التي انطلقت منها قصة الإنسان مع المجد والعظمة والخلود.
ولا أنكر أنني أُعجبت بحديث الرئيس دونالد ترامب عن مصر، وبما أبداه من تقدير لتاريخها وحضارتها العريقة، ذلك الحديث الذي حمل بين سطوره اعترافًا صريحًا بعظمة هذا البلد ومكانته في ذاكرة الإنسانية. وربما كان هذا الإعجاب بما قاله هو ما دفعني إلى تتبع مواقفه المختلفة تجاه مصر، ورصد أبرز تصريحاته عنها، لأضعها بين سطور هذا المقال توثيقًا وتحليلًا لصورة مصر في ذهن واحد من أكثر الرؤساء الأمريكيين إثارة للجدل ، ولا أملك في الختام إلا أن أرفع الدعاء لمصر وشعبها وجيشها، بأن يحفظها الله من كل شر، ويصونها من كل من يسعى للإساءة إليها أو النيل من أمنها واستقرارها، وربنا اكفنا شر ناكري دور مصر، الموجهين سهامهم إلى صدرها، واجعل هذا الوطن دائم العزة والكرامة، شامخًا بين الأمم.
مصطفي البلك
[email protected]