أقول لكم
«الوطن أوالموت»،أقصرخطاب في التاريخ ألقاه الثائرالكوبي إرنستو «تشي» جيفارا أمام الأمم المتحدة والتي زارها للمرة الأولى والأخيرة عام 1964، مؤكداً أن الشعب لن يبيع أرضه للمستعمرين، حيث غادرالمنصة وبعدها قدم حياته فداء للقضية التي أمن بها وهي تحريربلاده من لصوص الأوطان، نعم فالأرض عرض لا تباع ولا تشترى ولا تسرق لتقام عليها ريفييرا، لأن الأوطان ليست فنادق نغادرها خوفاً من القتل والتجويع والمجازر، بل هي أحلام واَمال وذكريات تسكن فينا لا نرحل منها إلا بمغادرة الروح للجسد، في زمن باتت فيه الأمم المتحدة غير قادرة على مواجهة الطواغيت والوحشية والفصل العنصرى والتهجير والاستيلاء على أرض فلسطين، ولذا أثبتت الأيام أن شعب فلسطين عصي على الانكسار، ظل صامداًعلى مدارعامين أمام أكبر قوى عسكرية فتاكة في العالم لكنه لم يرفع راية الاستسلام حتى حقق انتصاراً ساحقاً ضد تحالف دولي امتد من أوروبا لأمريكا، ما دفعهم للبحث عن مخرج من ورطتهم بعد الاحتجاجات التي زلزلت الكثيرمن العروش في العالم، ضحى الفلسطينيون بأرواحهم الطاهرة من أجل البقاء على أرض التين والزيتون وحماية وطنهم وحريتهم ومقدساتهم، وغيروا مبادئ الحروب الاستراتيجية في العالم بعد أن رفعوا العَلَم والشال والزيتون رايات للنصرعلى الطغاة الجبارين قتلة الأطفال، وأصبحت بطولاتهم حكايات تروى في كل بلاد العالم، انتصارات تروى للأجيال الجديدة تؤكد أن أصحاب الحق لا ينهزمون بل يظلون أبطالاً في كتب التاريخ.
انتظرالطغاة المجرمين جميعاَ استسلام المقاومة وراهنوا على فنائها والقضاء عليها وتحقيق النصرالكامل والاستيلاء على فلسطين كلها، لكن المفاجأة كانت في سقوطهم أخلاقياً أمام العالم كله، ولذا لم يكن أمامهم سوى الاستسلام وطلبهم إنهاء الحرب، فكانت خطة ترامب للسلام السبيل الوحيد لهروبهم من الفخ الذي نصبوه للفلسطينيين لكنهم اكتشفوا أنه أظهرعوراتهم أمام العالم دون ورقة التوت بعد أن صارت الفظائع التي يرتكبونها وقتل الأطفال مشاهد يومية حزينة ومخزية على كل وسائل التواصل الاجتماعي وشاشات التليفزيون في العالم، وهم الذين يتشدقون بحقوق الإنسان، قد يقول البعض أي انتصارحققته فلسطين وسط كل هذا الدمارفي قطاع غزة واستشهاد نحو 70 ألف مواطن وإصابة ما يزيد على 160 ألفاً غالبيتهم من الأطفال والنساء، والإجابة أن نتائج الحروب لا تُقاس بحجم الخسائر، بل بالأهداف التي تحققت وبما أن إسرائيل لم تحقق أياً من أهدافها سواء الانتصارالكامل أوالقضاء على حماس وتهجيرالفلسطنيين وضم غزة والضفة ولم تحقق حلم نتنياهو في إقامة دولة إسرائيل الكبرى، فهي التي خسرت الحرب واستسلم نتنياهو وأتباعه إراقة لماء وجوههم، أما المقاومة فقد كسبت احترام شعوب الأرض وصارت فلسطين قضية العالم الأولى، لأن تحريرالأوطان لا يكون من دون تضحيات عظيمة، بعد أن ظل صامداً على أرضه مثل أشجارالزيتون رافضاً مغادرة وطنه رغم الموت الذي يحاصرهم وتهدم بيوتهم ونومهم في العراء، ليتأكد الجميع أن المقاومة الطريق الوحيد إلى الحرية وردع الاحتلال الغاشم ودحرمخططاته التوسعية الهمجية، سلاماً على أرواح الشهداء الذين ضحوا بحايتهم من أجل وطنهم وكان شعارهم الوطن أو الموت.
نعم انتصرت فلسطين بالعَلَم والشال وزهرة الزيتون، رموزنضاله منذ فجرالتاريخ بعد أن قدم كل بيت من منازلها شهداء ومصابين، والعالم كان ولايزال شاهداً على نضال الشعب الفلسطيني لأكثر من 77 عاما، بعد أن واجه الشعب الأبي العدوان الإسرائيلي منذ نكبة 1948، مروراً بنكسة 67، ووصولاً إلى العام الجاري 2025، الذي شهد حرب إبادة وحشية لم تحدث في التاريخ بدأت على غزة في السابع من أكتوبر 2023، بصموده ونضاله، صارالعالم الفلسطيني أيقونة النصر في جميع بلاد العالم والمحافل الدولية، وأصبح الشال رمزاً للوطنية وغصن الزيتون دليل الأمل والسلام، ولذا كانت رحلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي استمرت لمدة 12 ساعة بين إسرائيل ومصر، سعياً للسلام ورسم صورة الشرق الأوسط الجديد، إذ عبرعن ذلك من خلال الرسائل التي إحتوتها الكلمات التي ألقاها في الكنيست الإسرائيلي ومؤتمر شرم الشيخ، فقد تحدث في الكنيست عبرخطاب مطول دام أكثر من ساعة عمّا وصف بالفجر التاريخي الجديد للمنطقة، داعياً إلى طيّ صفحة الحرب في غزة، وطالب الكنيست بالعفوعن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في محاكمته الجارية بتهم الفساد، وصولاً إلى وعوده المشروطة التي ربطت بين إعادة إعمارغزة ونزع السلاح من القطاع، في زيارته الأولى إلى إسرائيل منذ إعادة انتخابه رئيساً للولايات المتحدة في يناير الماضي، ليصبح رابع رئيس أميركي يلقي خطاباً أمام الكنيست وقوبلت كلمته بتصفيق حارووقوف الأعضاء 37 مرة، بعد أن أعلن بداية عهد جديد في الشرق الأوسط والسلام لإسرائيل، مشيداً بقراراته السابقة بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، وفي وعدٍ بعصر ذهبي لمنطقة الشرق الأوسط وإسرائيل، قال ترمب إن الوقت حان للسلام في المنطقة، مضيفاً أن إسرائيل حققت كل ما يمكن تحقيقه من نصر بقوة السلاح ولذا حان وقت الازدهار، كما وجه حديثه لنتنياهو مطالباً إياه باغتنام فرصة تحقيق النصر، حسب زعمه، قائلاً : «اربح، ولا تستأنف الحرب»، كان هدف ترامب واضحاً وصريحاً في بعض الأحيان بأن إسرائيل قد حققت كل ما في وسعها في ساحة المعركة، وأنها انتصرت بمساعدة أمريكا بكل ما في وسعها بقوة السلاح.
حاول ترامب إقناع الإسرائليين بأنهم فازوا في الحرب قائلاً لقد انتصرتم، وبالغ في تعبيراته مواصلاً: «الآن حان الوقت لترجمة هذه الانتصارات في ساحة المعركة إلى الجائزة الكبرى المتمثلة في السلام والازدهار للشرق الأوسط بأكمله، لقد حان الوقت لتتمكنوا من جني ثمار عملكم لأن المزيد من الحرب لن يؤدي إلا إلى إضعاف إرث نتنياهو»، ويقيني أن زيارة ترامب لإسرائيل لم تكن سوى محاولة لإقناع الإسرائليين بنصر لم يحققوه، ولذا لم تقنعهم كلماته المفعمة بالمجاملة إذ ألمح إلى أن نتنياهو قد اتخذ قراراً بإنهاء القتال، حتى لا يفكر أحد في الحرب مجدداً، وواصل كلمات الثناء قائلاً أريد فقط أن أهنئكم على شجاعتكم وجاء تقديم ترامب الشكر للعالمين العربي والإسلامي اللذين تكاتفا للضغط على حماس لإطلاق سراح الرهائن ليؤكد أنه لولا هذه الدول لما تحقق اتفاق، ومدعياً أن اتفاق السلام لم يكن ممكناً لولا قصف الولايات المتحدة للمنشآت النووية الإيرانية، خصوصاً أنه حاول إقناع الحضورأن إيران مستعدة لإبرام صفقة خاصة بها، أما مطالبته الكنيست بمنح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عفواً وسط مشاكل قانونية مستمرة، بعد أن وجه حديثه إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ قائلاً:«سيدي الرئيس، لماذا لا تمنحه عفواً وتابع مبتسماً سيجار وشمبانيا؟ من يهتم بذلك»، في إشارة إلى الهدايا التي تلقاها نتنياهو، وأرى أن هذه الدعوة في حال تحقيقها والعفوعن نتنياهو ستكون مرتبطة بمغادرة رئيس الوزراء الإسرائيلي للعمل السياسي بعد أن بات وجوده في المشهد العالمي غيرمرغوب فيه داخلياً وإقليمياً ودولياً وحكومته المتطرفة.
تسبب إلغاء زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى مصرفي حالة من الجدل خصوصاً أنه جاء على خلفية اعتراض عدد من الدول، بينها تركيا وإسبانيا والعراق، على اعتبارأن الوقت غير مناسب لأي مصافحة أو لقاء علني مع نتنياهو، وهو ما أسهم في اتخاذ القرار بإلغاء الزيارة، لتجنّب أي إحراج دبلوماسي أو سياسي خلال القمة المقررة في شرم الشيخ، فضلاً عن معارضة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمشاركة نتنياهو في القمة إلى جانب نتنياهو، حيث أرسلت أنقرة رسالة إلى المنظمين مفادها أنها ستقاطع المؤتمرإذا حضر نتنياهو بعد إعلان حضوره إلى شرم الشيخ رسمياً من أجل ترسيخ اتفاق وقف الحرب في غزة والتأكيد على الالتزام به، وبعد فترة خرج مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ليقول إن نتنياهو لن يحضر قمة شرم الشيخ بشأن غزة، وذكر مكتب نتنياهو، في بيان أن رئيس الوزراء نتنياهو دُعي من قبل الرئيس الأميركي ترامب للمشاركة في المؤتمر الذي سيُعقد في مصرو شكر رئيس الوزراء الرئيس ترامب على دعوته، لكنه قال إنه لن يتمكن من المشاركة بسبب قرب الموعد من دخول العيد، لكن مصادر أخرى أكدت أن نتنياهو وافق على دعوة ترامب للمشاركة في قمة شرم الشيخ، قبل أن يتراجع، وأن أسباب إلغاء نتنياهو مشاركته في قمة شرم الشيخ لا تقتصر فقط على قرب موعد العيد، وأن نتنياهو تجنب حضور القمة لأنه لم يرغب في إغضاب الحريديم، الذين يحرصون على احترام الأعياد الدينية، كما أنه خشي أن يوضع في موقف محرج أثناء القمة، أو يطلب منه الاستماع إلى رسائل لا يرغب بها، مثل حل الدولتين، أو اتهام إسرائيل بجرائم حرب، كما أن حضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس للقمة زاد الأمور تعقيداً إذ خشي نتنياهو أن تثير مصافحته لأبي مازن، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ردود فعل سلبية داخل قاعدته السياسية، ولذا تراجع عن قرارحضورالقمة بسبب مخاوف من ردود فعل سلبية من قاعدته السياسية، وأعضاء ائتلافه اليميني، كما هدد العراق بالانسحاب من القمة إذا شارك نتنياهو فيها وتم إبلاغ نتنياهو بعدم إمكان استقباله، ما أدى إلى إلغاء مشاركته في القمة، كما أن هناك دولاً كثيرة لا تعترف بإسرائيل، فيما خطط أردوغان لإلغاء مشاركته في القمة والعودة إلى تركيا، في حال مشاركة نتنياهو، ووقعت الولايات المتحدة، ومصر، وقطر، وتركيا، على الوثيقة الشاملة بشأن اتفاق غزة في مدينة شرم الشيخ، بحضور قادة من أكثر من 20 دولة.
جاء في نص الوثيقة:«نحن الموقّعون أدناه نسعى إلى تحقيق التسامح والكرامة وتكافؤ الفرص لكل إنسان، لضمان أن تكون هذه المنطقة مكاناً يمكن للجميع فيه السعي لتحقيق تطلعاتهم في بيئة يسودها السلام والأمن والازدهار الاقتصادي، بغضّ النظر عن العِرق أو الدين أو الأصل الإثني، وأشارت الوثيقة إلى أن الموقعين يسعون لتحقيق رؤية شاملة للسلام والأمن والازدهار المشترك في المنطقة، تستند إلى مبدأ الاحترام المتبادل والمصير المشترك، نلتزم بحل النزاعات المستقبلية من خلال الحوار الدبلوماسي والتفاوض بدلاً من اللجوء إلى استخدام القوة أو الصراعات طويلة الأمد، ونُقرّ بأن الشرق الأوسط لا يحتمل دوامة مستمرة من الحروب المطوّلة، والمفاوضات المتعثرة، أوالتطبيق الجزئي أوالانتقائي للشروط التي تم التفاوض عليها بنجاح، نرحب بالتقدم المُحرز في إرساء ترتيبات سلام شاملة ودائمة في قطاع غزة، وكذلك بالعلاقات الودية والمثمرة المتبادلة بين إسرائيل وجيرانها الإقليميين، وخُتمت الوثيقة بالقول نتعهد بالعمل الجماعي على تنفيذ هذا الإرث والحفاظ عليه، وبناء أسس مُلهمة يمكن للأجيال المقبلة أن تزدهر فوقها معاً في سلام»، خصّ ترمب، في كلمته أمام الكنيست، المتبرعة الأميركية من أصل إسرائيلي ميريام أديلسون بإشادة بارزة، مشيراً إلى تأثيرها الكبير في توجيه السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، وإلى علاقتهما الطويلة التي توطدت عبرزياراتها المتكررة إلى البيت الأبيض برفقة زوجها الراحل، قطب صالات القمارشيلدون أديلسون، وتضمّنت كلمة ترمب أمام الكنيست إشادات علنية عبّر فيها عن شكره وتقديره لميريام، داعياً الحضور إلى الوقوف احتراماً لدعمها، وتأثيرها الواضح في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، وقال ترمب إنها تحب إسرائيل، ونسب إلى الزوجين الفضل في تشكيل قرارات مثل اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل في عام 2017، ونقل السفارة الأميركية إلى المدينة في عام 2018، وتأييده للسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتلة في عام 2019، وهنا السؤال هل تتأثرالسياسية الأمريكية إلى هذا الحد بالأموال القذرة القادمة من صالات القمارإلى درجة تجعل الرئيس الأمريكي يتخذ ثلاث قرارات سياسية مهمة إرضاء لصاحب صالات قمار وزوجته، من يصدق ذلك؟
في شرم الشيخ، اصطفت لوحات إعلانية كبيرة ترحيباً بالرئيس ترمب مع عبارة : «أهلاً بكم في أرض السلام»، على طول الطريق من المطار إلى مركز المؤتمرات، ونشرت إيفانكا ترمب لقطات تُظهر طائرات مقاتلة مصرية ترافق طائرة والدها لدى دخولها الأجواء المصرية، أثناء توجهه من إسرائيل إلى شرم الشيخ، وأشارترامب إلى الدور الحاسم لمصر في التوسط لوقف إطلاق النار في غزة، مضيفاً أن القاهرة تحظى باحترام حماس والفاعلين الإقليميين، وأثنى على جهودها المؤثرة في تحقيق التهدئة، وفي مشهد لافت خلال قمة شرم الشيخ، رافق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء التقاط الصور التذكارية مع القادة المشاركين، وخلال المصافحة، دار حوار مطول بين ترمب وعباس، فيما وجّه ترامب الشكر لعباس على حضوره ومشاركته في القمة، كما وقع إلى جانب قادة مصر وقطر وتركيا، وثيقة اتفاق إنهاء الحرب في غزة، خلال قمة شرم الشيخ للسلام، والتي تضمنت التأكيد على أن الشرق الأوسط لا يمكنه تحمّل دورة مستمرة من الحروب المزمنة.
حملت خطابات ترمب سواء في الكنيست أو خلال فعاليات قمة شرم الشيخ، عدداً من الرسائل السياسية، أبرزها إشارته إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين إيران وإسرائيل، وقال إنه يعتقد أن إيران تريد ذلك وربط ترمب إعادة إعمارغزة بنزع السلاح الكامل للفصائل وتشكيل قوة شرطة مدنية لضمان الأمن الداخلي، وعن اتفاقات أبراهام، قال ترمب: "أنتم جميعاً ستسدون لي معروفاً إذا انضممتم إليها"، مضيفاً أن: « 4 دول ظلت جزءاً منها حتى خلال الفترة السيئة التي مررنا بها، وبعد مغادرة القمة، وعلى متن الطائرة الرئاسية قال ترمب للصحافيين إن التركيز في المرحلة الحالية ينصبّ على إعادة إعمار قطاع غزة، وليس مناقشة حل الدولتين أو الدولة الواحدة، ورداً على سؤال بشأن دعوات لحل الدولتين، قال: «نحن نتحدث عن شيء مختلف تماماً، نحن نتحدث عن إعادة بناء غزة»، لافتاً إلى أن بعض الدول تفضل خيار الدولة الواحدة وأخرى تفضل خيار الدولتين وسنرى، وأضاف:«في النهاية سأقررما أراه صائباً، ولكن بالتنسيق مع الدول الأخرى»، من قاعة قمة شرم الشيخ، أعلن ترمب رسمياً أن الحرب في غزة انتهت، مؤكداً أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب عصر جديد من السلام والازدهار، وعلى الرغم أن ترمب شدد على أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على إعادة الإعمار، وتهيئة بيئة استقرارإقليمي مستدام، إلا أنه ترك مصير حل الدولتين معلقاً، وسط مخاوف حقيقية تتعلق بمستقبل قطاع غزة والقضية الفلسطينية ككل.
ظن الواهمون أنهم يستطيعون محاربة مصر ومحاصرتها وتقليص دورها وإبعادها عن أشقائها العرب، حتى تركع أمامهم وتتوقف عن دعم القضية الفلطسينية وتوافق على التهجير، لكنهم نسوا أن مصرالأبية الشريفة القوية بجيشها وشعبها وعلمائها ورجالها وشبابها وأطفالها لا تحيد عن دورها الوطني والقومي، منذ أن خلقها الله، فهي رمانة الميزان وقلب الأمة النابض بالحياة لا تبيع قرارها الوطني من أجل المال، عامان من القتل والتجويع في غزة والفتك بالأطفال والنساء ومحاولات طرد الفلسطينيين من وطنهم لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى لكن سرعان ما انهار كل ذلك أمام مقاومة الشعب الصامد، ورفض مصر لتصفية قضية العرب الأولى، من قال لهم إن مصريمكن أن تفرط في التراب العربي ومقدساته التي ظلت في حماية أرض الكنانة منذ مئات السنين؟ لقد حملت مصر على عاتقها مهمة التصدي للأعداء المغامرين الغازيين من كل حدب وصوت بأرواح أبنائها الأبطال وصدروهم العارية لا يخشون القتال أوالموت، عشرات بل مئات من جيوش المعتدين حاولوا المرة بعد الأخرى الاستيلاء على الأراضي العربية لكن مصر كانت لهم بالمرصاد وأحبطت مخططاتهم الدنيئة.
في مصر كانت بداية التاريخ، وعلى أرضها سُطرت فصول من حكايات وقصص الأبطال لازالت حية على جدران المعابد الأثرية ومسجلة في كتب العلماء لأبطال خرجوا من بين أبناء هذا الشعب تصدوا لكل من حاولوا كسرإرداتها، وخاضت على مرالتاريخ العديد من الحروب والمعارك منذ العصرالفرعوني ومروراً بالعصرالإسلامي ووصولاً لعهد الدولة الحديثة لحماية العمق الإستراتيجي للحدود المصرية، وكان اَخرها مشاركة مصر في الحربين العالمية الأولى والثانية، وحرب عام 1948 ضد القوات الصهيونية، وتعرضها للعدوان الثلاثي عام 1956، وضرب الجيش المصري سيفونية في حب الوطن أثناء حرب الاستنزاف ( 1967 ـ 1970 ) وحرب أكتوبر 1973، كما شارك في حرب تحرير الكويت وقديماً خاض حروباً تاريخية لصد غزوالهكسوس، وانتصرفي معركة قادش، وشن حملات على النوبة وكنعان، من ينسى كيف صدت مصر هولاكو في معركة عين جالوت عام 1260م، عندما حقق جيش المماليك بقيادة السلطان قطز نصراً حاسماً على جيش المغول بقيادة هولاكو الذي أباد الدولة العباسية في بغداد ما أوقف زحفهم الذي لم يسبق هزيمته وكان هذا الانتصار نقطة تحول هامة في التاريخ الإسلامي، حيث كسر شوكة المغول في الشرق الأوسط وحافظ على الإسلام والمسلمين من أقوى جيش على الأرض في ذلك الوقت تبيد البشر والحجر.
وأقول لكم، إن اتفاق وقف إطلاق النارفي غزة دخل حيّزالتنفيذ بعدإعلان الجيش الإسرائيلي عن إعادة تموضع قواته داخل القطاع خلال المرحلة الأولى وتصريحات لحركة حماس تفيد بأنها ستنشرعناصرأمنية في المناطق التي ينسحب منها الجيش، بعد أن تحلت الحركة بالمسئولية ووافقت على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب رغم ما تحتويها من تنازلات صعبة تتمثل في نزع السلاح وإبعاد القادة وإنشاء مجلس سلام دولي لإدارة القطاع ولجنو تكنوقراط لإدارة القطاع، بعد أن تسببت الحرب خلال عامين في القطاع الذي يعيش فيه أكثرمن 2.3 مليون فلسطيني، في استشهاد 70 ألف فلسطيني ومايزيد على 160 ألف مصاب إضافة إلى المفقودين فضلاً عن تفشي المجاعة والأمراض في القطاع الفلسطيني، ولذا اضطرت حماس والفصائل للموافقة على خطة السلام بناء على نصائح من الوسطاء خصوصاً مصروتركيا وقطر، ووجدوا أن الخطة تشكل طريقاً لا بديل له لوقف الحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة وبدء الإعمار وعودة الحياة إلى طبيعتها وإنقاذ سكان غزة من الموت يومياً تمهيداً لتواصل المفاوضات لإقامة دولة فلسطينية.
أحمد الشامي
[email protected]