هل أصبحنا محاصرين في دائرة “التفاؤل الاضطراري” نتيجة تقلّص البدائل المتاحة؟ تُعد قمة “شرم الشيخ” لحظةً فارقةً في تاريخ الشرق الأوسط، إذ تعيد تعريف المفاهيم السياسية والاقتصادية التي تجاوزتها الأحداث منذ السابع من أكتوبر 2023. وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وثيقة السلام وانهاء الحرب في غزة، واصفًا الحدث بأنه “بزوغ فجر جديد للمنطقة أنهى ثلاثة آلاف عام من العداء”، على حد وصفه، فاتحًا الباب أمام آمال كبيرة لإحياء عملية السلام في المنطقة. لكن، بعض هذه الآمال قد يكون مستحيل التحقيق، وبعضها الآخر قد لا يسعفه الوقت، الذي يبقى رهينًا بما تبقى من ولاية ترامب. هنا تكمن جوهر المشكلة.
سعت مصر، من خلال قمة شرم الشيخ، إلى خلق زخم إقليمي ودولي يدفع عجلة السلام نحو حل الدولتين، أو على الأقل إحباط محاولات إسرائيل التي تملك دائمًا خطة “ب” لتعطيل التقدم وإفشال ما تم التوصل إليه. مع الأخذ في الاعتبار أن السلام المتاح حاليًا قد يكون مزيجًا من “صفقة القرن”، و” الاتفاقيات الإبراهيمية”، "واتفاق غزة”. هذه المبادرات تمثل الحد الأقصى الممكن من فرص السلام الضائعة سابقًا. وكما تحولت “صفقة القرن” إلى “الاتفاقيات الإبراهيمية”، قد تتطور الجهود الحالية إلى شيء أكبر: تطبيع موسّع، أو إطار أمني إقليمي جديد، أو تكامل اقتصادي أعمق. بهذا المعنى، قد لا يُحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني بالكامل، لكنه قد يُسرّع وتيرة التحولات الإقليمية الأوسع.
البديل الحالي هو “مجلس السلام” الذي اقترحه ترامب، برئاسته وبمشاركة قادة دوليين مثل رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير. يمثل هذا المجلس محاولة لفرض إدارة خارجية على غزة. تاريخيًا، تباينت نتائج مثل هذه الترتيبات. ففي البوسنة وكوسوفو، واجهت الإدارات الدولية صعوبات في بناء مؤسسات محلية مستدامة بعد انتهاء الدعم الخارجي. غزة، بتعقيداتها الإضافية - كعدم تجانسها العرقي، وغياب تقاليد الحكم الديمقراطي، وتداعيات حرب استمرت عامين - تتطلب نهجًا أكثر واقعية. ينبغي التركيز على بناء قدرات الحكم الذاتي الفلسطيني من الصفر، مع تقديم الدول العربية، خاصة مصر والسعودية، ضمانات أمنية ودعمًا اقتصاديًا لمنع تحول أي إدارة فلسطينية إلى ملاذ لإعادة تسليح الفصائل أو لنفوذ قوى إقليمية لها أجندات أخرى. هذا يتطلب التزامًا طويل الأمد واستثمارًا كبيرًا من الدول العربية في الحكم الفلسطيني. هناك أيضًا طيف واسع من القضايا الدبلوماسية غير المؤكدة: من سيدير غزة سياسيًا، بغض النظر عما ينص عليه اتفاق وقف إطلاق النار نظريًا بشأن السلطة الانتقالية الدولية المتوقعة في غزة (GITA)؟ وإلى أي مدى ستتمكن GITA، والولايات المتحدة، والغرب، والحلفاء العرب، والسلطة الفلسطينية، وإسرائيل، من إقناع 700 ألف غزّي مرتبطين بحماس بالتخلي عن دعم الحركة سياسيًا؟
إذا صمد وقف إطلاق النار، فستكون التداعيات الإقليمية كبيرة، مع إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط. لقد استثمرت دول خليجية رأسمالًا دبلوماسيًا واقتصاديًا كبيرًا في مبادرات السلام في غزة وفي بناء علاقات مع إسرائيل.
في حال نجاح مخرجات القمة، قد تصبح مصطلحات مثل “الصراع العربي-الإسرائيلي”، و”المقاومة المسلحة”، و”وحدة الساحات” من الماضي. فقد أفرزت حرب غزة، التي استمرت عامين، موازين قوى وحقائق جديدة تمامًا. ما يُوصف بالفصائل المسلحة المؤدلجة تسبب في كوارث غير مسبوقة للقضية الفلسطينية، فاق تأثيرها النكبة الأولى عام 1948.
شهدنا مظاهرات واشتباكات في أنحاء القطاع ترفض حكم حماس، التي ترى في العشائر المتمردة تهديدًا مباشرًا لسيطرتها. خلال الحرب، أعدمت حماس أحد مشايخ عشيرة دغماش في شمال غزة، خوفًا من استغلال إسرائيل للعشيرة ضدها، كما حاولت اغتيال ياسر أبو شباب، قائد ميليشيا في رفح، لكن المحاولة فشلت.
هذه الأحداث تُشكل تحذيرًا لأي تيار سياسي أو ديني قد يُورط المنطقة في صراع جديد دون مراعاة مصلحة الشعب الفلسطيني الذي عانى من التجويع والتشرد طوال الحرب. يكفي نظرة واحدة إلى الدمار الهائل في القطاع لتتذكر تأثير القنبلة الذرية على هيروشيما في نهاية الحرب العالمية الثانية. هذا التيار نفسه، بمسميات مختلفة، أدخل لبنان واليمن وسوريا في أتون الحرب وتسبب في ويلاتها.
الأزمة المؤجلة تكمن في أن أحدًا لا يعتقد أن حماس ستُنزع سلاحها بالكامل مع انتهاء الحرب، حيث يتراوح تعداد مقاتليها بين 2000 و2500 مقاتل، ونحو 20 ألف مقاتل أقل تدريبًا، إلى جانب قاعدة دعم داخل غزة تضم حوالي 700 ألف فلسطيني ينتمون إليها بناءً على انتماءات قبلية أو عقائدية. لكن جميع كتائب حماس الـ24 هُزمت عسكريًا بحلول أغسطس 2024، ولم يعد لها جيش منذ أكثر من عام. ما تبقى منها هو خلايا صغيرة غير مترابطة.
الاتفاق الحالي ملزم لترامب شخصيًا وادارته ، وليس للإدارات الأمريكية اللاحقة، ولم يُطرح للتصويت في الكونجرس.
لذا، تبقى نقطة الضعف في مسار السلام مرهونة بفترة ولاية ترامب التي تنتهي بعد ثلاث سنوات. إذا صمد الاتفاق بين إسرائيل وحماس وانتهت الحرب، فإن المفتاح يكمن في تقديم تنازلات متبادلة وترتيب القضايا العسكرية والاستراتيجية المتنازع عليها. الخوف أن يكون هذا الزخم يهدف فقط إلى إطلاق سراح الرهائن. لا ننسى أن أصواتًا إسرائيلية وحمساوية تأمل أن يتوقف الاتفاق عند هذه النقطة. الإسرائيليون يخشون لجان التحقيق والملاحقة القضائية التي بدأت تلوح في الأفق، كما تجلّى في صيحات الاستهجان ضد نتنياهو عندما ذكر المبعوث الأمريكي ويتكوف اسمه في لقاء مع عائلات الرهائن في القدس. أما حماس، فتخشى نزع سلاحها، وهو آخر أوراقها. يبقى أن نرى ما إذا كانت نتائج القمة ستصبح “أحد أهم الإنجازات لإنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي”، كما تفاخر ترامب، أم مجرد سراب آخر. درس “صفقة القرن” يُعلمنا أن الفشل قد يحمل عواقب وخيمة. حتى لو لم تُنهِ هذه الخطة الحرب أو تُحقق السلام، فقد تُعيد تشكيل المنطقة بطرق لم يتوقعها مهندسوها.
المشكلة ليست في كثرة الخطط، بل في نظرة المخططين إلى الجغرافيا السياسية للعالم العربي. لخصها المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، في تصريح مثير للجدل: “لا يوجد شيء اسمه الشرق الأوسط، بل هو عشائر وقرى، أما الدول فقد أنشأها البريطانيون والفرنسيون”. لهذا، سنظل في دائرة التفاؤل الاضطراري، مع الأخذ في الاعتبار أن كثيرًا من ضمانات وقف إطلاق النار في غزة شفهية!
ملاحظة مهمة وأخيرة ضمن المتغيرات الحاصلة: كلا الطرفين في الحرب يسوّق نهاية الصراع على أنها انتصار. رغم استحالة هذا الطرح، فقد أنتج قاعدة جديدة: النصر لمن يدّعيه، لا لمن يحققه فعليًا. لكن العقلاء يمكنهم بسهولة تمييز المنتصر الحقيقي من الذي يعيش في أوهامه. وتلك قضية أخرى.