لم تكن حرب السادس من أكتوبر مجرد نهاية لمعركة فاصلة في تاريخ الوطن، بل كانت بداية لنهضة جديدة زرعت الأمل وأعادت الروح للأمة المصرية والعربية بعد سنوات من الانكسار.
غير أن بلوغ لحظة العبور لم يكن طريقا ممهدا بالورود ، بل سبقه صراع طويل وتحديات جسيمة واجهت الرئيس الراحل أنور السادات، الذي حمل على عاتقه مهمة استعادة الكرامة الوطنية في ظل واقع مثقل بآثار نكسة 1967.
وفى الوقت الذى تآكلت فيه الموارد والقوى بفعل حرب الاستنزاف ، كانت الضغوط الغربية الداعمة للكيان المحتل تمارس كل أدواتها لمنع مصر من النهوض أو استعادة عافيتها، ومع ذلك واصلت الدولة صمودها، مسخرة كل إمكانياتها من أجل تحقيق الهدف الأسمى وهو تحرير الأرض واستعادة الكبرياء.
واليوم، حين نستعيد المشهد ونقارنه مع عام 2014، نجد أن الظروف لم تكن أقل قسوة، بل ربما كانت أكثر صعوبة.
فالرئيس السيسى تولى حكم البلاد وهى فى حالة منهكة من استنزاف الثورات لكل مواردها والجماعة الإرهابية أيضا ترغب فى تحويل سيناء لإمارة إرهابية والمخططات الصهيونية ترتب لاقتطاعها من مصر كوطن بديل للأشقاء الفلسطينيين وكل الحدود المصرية مشتعلة بعدما سقطت الدول المجاورة الشقيقة فى مخططات التقسيم ودخلت فى حروب أهلية وضاعت فى غيابات الجب ، وكان عليه أيضا زرع الأمل من جديد لاسيما وأن ملايين المصريين يعقدون عليه آمالا كبيرة ، بعدما أنقذهم من حكم الجماعة فكان عليه مهمة إنقاذ البلاد والعباد.
فقد أنهكت ثورتا يناير ويونيو جسد الوطن، وتوقفت عجلة الإنتاج، وانهارت السياحة، وانتشرت الاعتصامات والمخططات الإرهابية ، وفي وسط هذا الركام وجد الرئيس عبدالفتاح السيسي نفسه أمام مسؤولية تاريخية لا يحسد عليها، لكن بإخلاصه المعهود ويقينه بأن العناية الإلهية ساقته لإنقاذ هذا البلد، بدأ في تفكيك ألغاز المعادلة الصعبة، وشرع في العمل بجد وإصرار في كل الملفات، واضعا نصب عينيه بناء دولة عصرية قوية، توازي بين محاربة الإرهاب وتحقيق التنمية الشاملة.
لقد خاض الرئيس معركة بناء لا تقل ضراوة عن معركة السلاح، وأدار حزمة مشروعات قومية غير مسبوقة، أعادت ترتيب الداخل المصري، وصنعت واقعا جديدا للدولة الحديثة، ولولا هذا التحدي، وما تم اتخاذه من قرارات وإصلاحات طالت كل القطاعات، لما تمكنت مصر من عبور أزماتها المتراكمة في وقت قصير، كما عبرت من قبل محنة نكسة يونيو 1967.
وإذا كان العبور الأول في 1973 قد أعاد سيناء إلى حضن الوطن عسكريا، فإن الرئيس السيسي قاد العبور الثاني لتنمية سيناء وإعادتها فعليا بالأمن والعمران، وبعدما بذلت القوات المسلحة تضحيات جسيمة للقضاء على الإرهاب، وقدمت خيرة أبنائها شهداء، بدأت معركة التنمية الحقيقية.
وشهدت الأعوام الأخيرة، خططا استثمارية بمليارات الجنيهات في شمال وجنوب سيناء حيث تم إنشاء 11 تجمعا زراعيا وسكنيا متكاملا، مدينة رفح الجديدة، مشروع إسكان المساعيد بالعريش، محطة تحلية المياه بالعريش، مجمع الرخام بالجفجافة، ومراكز خدمات للمستثمرين، كما تم تنفيذ مشروعات بنية تحتية واسعة في منطقة الروسيات وغيرها.
ولم يقف الأمر عند ذلك، بل شملت الخطة القومية العملاقة ربط سيناء بالوطن الأم عبر 20 نقطة عبور و6 أنفاق عملاقة و5 كبار عائمة، وصولا إلى كوبري السلام، كل هذا ضمن مشروعات تجاوزت تكلفتها 600 مليار جنيه، لتتحول سيناء من ساحة صراع إلى واحة أمل، ولتكتب الجمهورية الجديدة بهذه المشروعات ميلادا جديدا لأرض الفيروز .
وإذا كان الرئيس الراحل أنور السادات صاحب قرار عبور قناة السويس واستعادة الأرض المحتلة ، فإن الرئيس السيسى هو ربان العبور إلى المستقبل ، والزعيم الذى قاد سفينة الوطن إلى بر الأمان بسلسلة من المشروعات والمبادرات والقرارات لم تحدث فى تاريخ الوطن فى عهد أى رئيس سابق.
لقد قاد الرئيس السيسى ملحمة تنموية تصل إلى حد المعجزة فمن يتأمل خريطة مصر اليوم، يدرك أن ما شهدته البلاد ليس مجرد حراك عمراني أو سلسلة من المشروعات القومية، بل إعادة بناء شاملة لروح الدولة وهويتها، وإعادة تعريف لمفهوم التنمية ذاته.
فمشروع قناة السويس الجديدة كان رسالة ثقة في قدرة المصريين على صناعة المعجزات بإرادة وطنية خالصة، حين تم إنجازه في عام واحد بتمويل شعبي ، وقد أعاد المشروع للمصريين إحساسهم بالقدرة الجماعية، تماما كما فعل عبور أكتوبر قبل أكثر من خمسة عقود، ليصبح رمزا لـ“عبور جديد” نحو المستقبل.
ومن هذا المنطلق، جاءت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كترجمة عملية لفكرة أن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع القيمة، بل الإدارة والرؤية هما الأساس. فبإنشاء موانئ ومناطق صناعية متكاملة، بدأت مصر تتحول من مجرد معبر تجاري إلى محور إنتاج عالمي، يستثمر في موقعه ليصبح مركزا للربط بين الشرق والغرب.
أما ملف العشوائيات، الذي طالما كان جرحا في جسد الدولة، فقد تعاملت معه القيادة السياسية بمنطق مختلف؛ إذ لم يعد السكن مجرد جدران وأسطح، بل كرامة إنسانية وحق في حياة آمنة، فمشروعات “بشائر الخير” و“الأسمرات” و“أهالينا” ليست عمرانا جديدا بقدر ما هي فلسفة اجتماعية تضع الإنسان في قلب التنمية.
وفي مشروعات الطرق والمدن الجديدة، تبرز رؤية استراتيجية تسعى إلى إعادة توزيع السكان وربط أطراف الوطن بشبكة حديثة، تمهيدا لاقتصاد متكامل يحقق العدالة المكانية ويخفف الضغط عن الوادي الضيق، فالعاصمة الإدارية والعلمين والجلالة ليست مجرد مدن ذكية، بل تجسيد لطموح دولة تعيد رسم خريطتها وفق معايير المستقبل.
كما تشكل المدن الصناعية المتخصصة مثل مدينة الدواء “جيبتو فارما” ،والجلود بالروبيكي ،والأثاث بدمياط نقلة نوعية في فلسفة الصناعة المصرية، إذ تمثل تحولا من الاقتصاد الريعي إلى الإنتاجي، ومن الاعتماد إلى الاكتفاء، بل إلى التصدير والمنافسة الإقليمية.
أما في مجالات الطاقة فقد تحولت مصر من العجز إلى الفائض بفضل محطات الكهرباء العملاقة ومشروعات الطاقة المتجددة، بينما أسهم المشروع القومي للصوامع ومشروعات استصلاح 500 الف فدان ومستقبل مصر في تحقيق أمن غذائي مستدام، ووضع حد لهدر الموارد، ورسخ لمفهوم الإدارة الرشيدة.
وبالتزامن مع ذلك أطلق الرئيس السيسى عددا من المبادرات الصحية الإنسانية كانت سندا وعونا للأسر الأكثر احتياجا ونجحت فى القصاء على فيروس سى الذى كان ينهش أكباد المصريين وأنهت قوائم الانتظار للعمليات ، وغيرها من المبادرات الصحية التى استهدفت كافة الشرائح العمرية من الذكور والإناث ووفرت الكشف والعلاج بالمجان للملايين من الأسر.
إن ما يحدث اليوم هو عبور تنموي شامل، لا يقل في رمزيته عن عبور أكتوبر، عبور من الهدم إلى البناء، ومن الشك إلى الثقة، فالمشروعات لم تعد مجرد أرقام أو إنجازات هندسية، بل أصبحت انعكاسا لوعي وطني جديد يرى في التنمية معركة بقاء وكرامة، ويؤمن أن المستقبل لا يمنح، بل يصنع بالإرادة والعمل والعقل.