مخطئ من يظن أن حروب هذا العصر أو العصر المستقبلي ستكون كلمة الفصل فيها بالرصاصة فقد عرفت البشرية الحرب بصيغة نظامية حينما كان يقف جنود بلدين في مواجهة بعضهما البعض وتطورت بتطور السلاح والخطط غير أنها كانت قائمة في الأساس منذ الرمح والبلطة علي الكرامه والشرف والنزاهة إذ كانت مرتبطة بسيرة المقاتل أما الآن فالوضع تغير تماما فلم يعد للشرف أو النزاهه قيمة تذكر في حروب الجيلين الرابع والخامس والتي ركزت علي ضحاياها من جيل " زد" ذلك الجيل الذي شوهت أفكاره التكنولوجيا وبددت قيمه وتاهت منه هويته وتسطحت فيه مبادئه وباتت عقائده مجرد اسم في بطاقة الهوية أو طقوس يمارسها دون أدني ادراك وجعلته يسقط في هوة التفاهة بالتالي ضياع تاريخه كله منه ومن ليس له تاريخ ليس له سوي حاضر ممسوخ ومستقبل مجهول.
أجيال الحروب الحديثة بجيلها الرابع والخامس والسادس الذي يطل بظلاله السوداء أكثر عنفا وأوسع تدميرا وأسوأ أخلاقا ذات بنية قيم تتدهور بلا توقف حتي تحول الدول المستهدفة الي مسخ قبل دخولها عسكريا فتنهي علي أية مقاومة للاحتلال أو استنزاف الموارد أو حتي سرقة التاريخ
الحروب التي باتت تستهدف جيل "زد " تحديدا والذي ولد قبل ٢٠١١ والسنوات التي تلتها أي أنها تستهدف شباب الأمم الذين هم بنيتها ونواتها وقوتها.
إن حروب الجيل الرابع لها أدواتها التي قد تتوقعها والخارجه عن حدود توقعاتك غير أن الغرض منها بث الشائعات والأكاذيب التي تبث الرعب وتزييف الحقائق وخلق رأي عام دوما مضطرب وكئيب وعلي صفيح ساخن لدى الجيوش والسكان وبالتالي خراب الاقتصاد وزعزعة النظام السياسي وبالتالي دخول المحتلين بسهولة وما الدوله الا اقليم وشعب ونظام سياسي إذ هي حروب من شأنها تدمير الدول من العمق مع اقتلاع جذورها و هدم أعمدتها التي تبني هويتها دون رصاصة واحدة.
فصحيح أن ضغطة زر يمكن أن تؤدي إلى انطلاق صاروخ بالستي يحمل رأسا نوويا يمكنه تدمير مدينة بالكامل لكن بحروب الجيل الرابع والخامس يمكن أن توقع دولا كاملة بأقل تكاليف حروب نفسية رهيبة تمارس حتي تنتصر الدولة التي تستخدمها وأهم أدواتها السوشيال ميديا ولك أن تسأل نفسك سؤال هل هناك سلعه واحدة دون مقابل ستكون الإجابة لا لما إذن مواقع التواصل الاجتماعي كلها مجانية فبعدة تعليمات بسيطه تنشئ صفحات فيس بوك أو تيك توك أو غيرها بل ويمكنك بعد فتره من عرض محتواك أن تدر عليك اموالاً هل سألت نفسك لما ؟! هل يمكن أن تكون حرب جيل رابع مقامة علي وطنك وتلك المواقع وأنت الأداة فيها فهي مجرد وسائل لنشر الاباحية وتغيير قيم المجتمعات وتسهيل الجريمة واستقطاب العقول واحتلالها وهو أحد أهداف حروب الجيل الخامس والذي يفرقها جوهريا عن حروب الجيل الرابع التي بدأت بالحرب الباردة منذ الحرب العالمية الثانية.
إن حروب الجيل الرابع التي تتجاوز التحول النمطي والجوانب الإجرائية في قواعد ممارسة المعارك، ورغم تأكيد الدراسات العسكرية بظهور أجيال أخري منها إلا أنها الأكثر تعقيدا والممهدة لأي أجيال تليها إذ لابد أن تقام لتنجح الأجيال التي تليها في تنفيذ مهامها فهي تتأسس على تأصيل الصراعات وتعميق أسباب الخلاف واشعال الفتن بفتيل لا ينطفئ ناره ودماره وانتهت إلا أكثر تعقيدا لموروث فكرة الحرب بتبني من يديرونها تكتيكات ذات اختلافات نوعية في مرونتها وأساليبها، حيث تمارسها الجماعات العابرة لمفهوم الدولة القومية ضاربة بمقومات الروح الوطنية عرض الحائط.
كما قلت سابقا تنطلق حروب الجيل الرابع من ذهنية مغايرة فأسلحة معنوية هدامة بالغة الشراسة باستخدام كل أدوات ووسائل الميديا والدعاية الحديثة الأكثر تطورا لشن هجمات كاسحة على ثقافة وأيديولوجية الدولة المستهدفة باستغلال الاختلافات العرقية والدينية بل والمذهبية داخل الدين الواحد لهدم الدولة من الداخل ومن أساليب هذه الحرب أيضا تواصل الحرب النفسية من خلال تكثيف الشائعات وزرع العملاء وحشد الكتائب الإلكترونية التي تروج الأكاذيب والأخبار الزائفة وتتصيد أوجه القصور التي لا تخلو حكومة منها وتغييب الإنجازات وتزييف الحقائق ويقودها عادة العناصر الخطرة في الجانب غير العسكري قد يكونوا من السياسيين والعملاء الذين يلجأون لأساليب التضليل والفتك الذهني.
هل تعلم أن حروب الجيل الرابع استخدمتها التنظيمات الإرهابية بعمليات ترويع للسكان المدنيين كنشر فيديوهات للعمليات التخريبية التي يقومون بها او اغتيالاتهم لشخصيات أو ضحايا أبرياء وعادة ماتظهر تلك الفيديوهات بمؤثرات صوتية وبصرية لتهويل قدرات تلك الجماعات لإحداث حالة من الرهبة ومن أمثلتها تنظيم القاعدة وداعش وحركات كحركة حسم وبصفة عامة تلجأ التنظيمات الإرهابية في حربها إلى ضرب مصالح الدول الحيوية من مرافق اقتصادية وخطوط مواصلات ومنشآت ذات قيمة رمزية في محاولة لإضعاف هيبة الدول.
و تلجأ الدول لاستخدام أدوات الجيل الرابع لتشتبك إما بإدارة الصراع المباشر مع الخصم أو عن طريق طرف ثالث مناوئ وتعتمد بقوة أيضًا على وسائل الأعلام المختلفة والمعارضة ومنظمات المجتمع المدني وكل سبل النفوذ والعمليات الاستخبارية وتقديم الدعم اللوجيستي وكلها عادة ماتكون ممولة ومتاح فيها استخدام كل الأساليب القذرة وغير الشرعية ولا يخلو الأمر من الإمداد بالسلاح والمال.
قبل التطرق إلى الكيفية التي يمكن بها التصدي لحروب الجيل الرابع تجدر الإشارة إلى أن استقرار الدول وصلابة بنيانها الاقتصادي والاجتماعي مقومات تشكل حائط صد قويا يحمي بل يقطع الطريق على مثل هذا الحروب التي أهلكت دولا مازالت تعاني أو عانت لتعود شبه ما كانت عليه كالعراق وسوريا والسودان واليمن وربما قارة أفريقيا كلها أو الشرق الأوسط تحديدا الذي تعرض لهجمة عنيفه منها اعترفت الدول التي قامت بها بأنها أحدثت مايسمي الفوضي الخلاقة ولم ينجُ منها سوي الدول المتماسكة علي كافة المستويات والتي تسعي دوما لتوعية المجتمع.
إن إدارة الصراع المباشر مع قوات أو عناصر الجيل الرابع تتم بتفتيت القوة الرئيسية بكشفها دوما والعمل المستمر على تشتيت العناصر المتمردة وكشف زيف عقيدتها ومصالحه الخاصة مع أهمية أن تعمل الدول التي تتعرض لهذا النوع من الحروب على تغليب سيادة القانون وشفافية القرارات والممارسات الحكومية في إطار من التشاركية مع المواطنين والاستجابة للمتطلبات الاجتماعية والاحتياجات الأساسية والتعزيز المستمر لوعي الجماهير و ان يتم تدريس ماهية تلك الحروب ومدي تأثيرها وكيفية النجاة منها لأجيالنا الصغيرة بدء من جيل زد المتروك لهوة كبيرة تسحق هويته باسم التحضر والتمدن وتفني معتقداته وتهمش قيمه ليسهل احتلال عقله والسنوات والأحداث الجلل كلما مرت تؤكد أن بناء عقل الأمم وتحصينها أهم من المنشآت فهي حط الصائد الأول لحماية بنيان الدولة وأساسها.