رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

منذ آلاف السنين والنيل هو شريان الحياة لمصر، وهو الذي صنع الحضارة على ضفافه وأعطى للأرض معناها وقدسيتها. لكن في السنوات الأخيرة، لم يعد الخطر الذي يهدد النهر مقتصرًا على الطبيعة أو المشروعات الكبرى فحسب، بل ظهر خطر أشد فتكًا: فيضان الشائعات.

***

على مدار عقود، تغاضت الإدارات المحلية والسلطات عن جريمة مستمرة اسمها التعدي على أراضي طرح النهر. منازل مبنية في حرم مجرى النيل، وزراعات قائمة في قلب ممرات المياه، وتشوينات عشوائية قتلت ديناميكية النهر وقدرته الطبيعية على استيعاب المياه. هذه الأفعال ليست مجرد مخالفات عابرة، بل جرائم تهدد الأمن المائي والبيئي لمصر، وتحول أي زيادة في منسوب المياه إلى تهديد حقيقي للقرى والمدن. وزارة الري لم تقف مكتوفة الأيدي، بل حذّرت مرارًا وأصدرت تعليمات صارمة بضرورة إخلاء الحرم النهري من التعديات، لكن الواقع أن الاستجابة غالبًا ما تأتي متأخرة، بعد وقوع الكارثة.

***

الزيادة المفاجئة في المياه لم تكن نتيجة فيضان استثنائي، بل لأسباب فنية واضحة. هناك ارتباك إثيوبي في إدارة وتشغيل سد النهضة في بداياته، وزيادة كميات الأمطار هذا العام، وغياب استعداد السودان للتعامل مع هذه المتغيرات، خاصة في ظل الحرب المشتعلة هناك. بينما كانت مصر أكثر استعدادًا، إذ وضعت سيناريوهات مختلفة وعملت وزارة الري على تعزيز الجاهزية لتصريف المياه بالطرق العلمية.

***

المفارقة أن أخطر ما واجه المصريين لم يكن ارتفاع منسوب المياه بحد ذاته، بل فيضان الأخبار الكاذبة. فقد انتشرت خلال الأسابيع الماضية على “فيسبوك” و”تيك توك” مقاطع مصورة تزعم غرق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية على جانبي النهر في الصعيد، بينما تبين لاحقًا أنها لقطات قديمة من فيضانات في السودان. كما تداولت بعض الصفحات صورًا لمنازل تغمرها المياه على أنها من مصر، ليتضح أنها من دول آسيوية تعاني من سيول موسمية. الأدهى أن بعض القنوات المغمورة على “يوتيوب” صنعت مقاطع بعنوان “كارثة فيضان النيل” لجذب المشاهدات، رغم أن الحقيقة أن المنسوب طبيعي ولا يمثل تهديدًا. هذه الموجة من التضليل أوقعت المواطنين في حالة هلع، وأربكت الرأي العام بلا داعٍ.

***

المشكلة أن بعض وسائل الإعلام التقليدي انزلقت خلف هذا التهويل، وبدلًا من أن تضع الحقائق في نصابها، ساهمت في تضخيم الموقف. البعض صوّر الأمر على أنه كارثة طبيعية، والبعض الآخر اتهم الحكومة بسوء الإدارة متجاهلًا أن أجهزة الدولة حذرت مسبقًا وأن الخلل الحقيقي هو في التعديات البشرية. أما الأخطر فهو صمت الصحافة عن جوهر الأزمة: جرائم المواطنين أنفسهم في الاعتداء على النهر. الكل يفضل مجاملة الجمهور بدلاً من مواجهته بالحقيقة المرة. وهنا يقع الإعلام في جريمة نفاق العوام، فيحوّل الجاني إلى ضحية، ويترك الحقيقة مدفونة تحت سيل من “التريندات” والفيديوهات المفبركة.

***

إذا أردنا مواجهة الخطر الحقيقي فعلينا أن نتحلى بالشجاعة. التعدي على طرح النهر جريمة وليس “مشكلة صغيرة”. الإعلام الذي يهادن العوام ويخشى خسارة شعبيته يرتكب خيانة مهنية ووطنية. على المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إصدار لائحة تُجرّم نشر الشائعات والأخبار الكاذبة عن الفيضانات، وعلى المواطن أن يعلم أن نشر أي فيديو مفبرك أو خبر كاذب يجعله شريكًا في الجريمة وتحت طائلة القانون.

***

المياه قد تزيد وتنحسر، وقد تسبّب خسائر مادية يمكن تعويضها. لكن الشائعات حين تجتاح العقول فإنها تدمر الوعي الجمعي وتزرع الهلع وتفقد المواطن الثقة في دولته ومؤسساته. ما حدث هذا العام ليس كارثة طبيعية ولا سوء إدارة حكومي، بل كارثة صناعة الكذب التي جعلت من الشائعة أسرع انتشارًا من النهر نفسه.

***

النيل باقٍ، والمياه ستظل تجري في مجراها، لكن أخطر ما يهددنا هو أن نستمر في تزييف الوعي. لقد آن الأوان أن نواجه أنفسنا بالحقيقة: المواطن المعتدي على النهر مجرم، والإعلام المروّج للشائعات شريك في الجريمة. فلتكن رسالتنا واضحة: فيضان الشائعات أخطر من فيضان المياه، وإذا لم نواجهه بصرامة فسيدمر مجتمعاتنا أسرع مما يفعل أي فيضان طبيعي.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة