رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لحظة تمرد


لا أعتقد أن هناك قضية تشغل الإنسان منذ بدء الخلق وحتى قيام الساعة أكثر من الزمن والخلود ، وللدرجة التى أظن أن أبي آدم حين أقترب من شجرة الخلد لم يكن فى نيته ابدا معصية أمر الله ، لكن طمعا فى البقاء والخلود بين يد الله ، وأستغل الشيطان هذه الغريزة البشرية فوسوس له بالأكل من هذه الشجرة لينال مراده ، ويعلم المولي عز وجل نية مخلوقه أدم ، لذلك تاب عليه وغفر له ..
وأعتقد ان جوهر القضية هنا هو الجمع بين الرغبة الإنسانية الأساسية في البقاء والغاية السامية للوجود .. يعنى يارب وأنت أعلم .. حلم أبي آدم بالخلود كان دافعه الأساسي بعيدًا عن نية ارتكاب المعصية، يارب أنت تعلم وعلمك الحق أن الخلود هو عشق أدم وذريته الأبدي، ولكن لماذا يارب ؟ من أجل عبادتك والبقاء بالقرب منك ، وحتى لو ضللنا الخطى اليك سرعان ما نعود لك تائبين ، طمعا فى المغفرة ..
يعنى يارب حلم أبى آدم لم يكن ذنبًا، بل كان شوقًا
يا آدمُ الأوَّلَ، يا سِرَّ الطِّينِ والمَحَنِ،
أَسْمِعتُ في قَلْبِكَ ما لَمْ يَسْمَعِ البَشَرُ؟
لَمْ تَسْكُنِ النَّفسُ يَوْمًا نِيَّةَ الخَلَلِ،
بَلْ كَانَ في الرُّوحِ شَوْقٌ دَائِمٌ سَفَرُ.
يارب أنت أعلم وغيرك لايعلم سر العداء بين أبى وبين الشيطان ، هذا الصراع غير المتكافئ إذا لم تتدخل بدعمك لأبى ، نعم الشيطان عصي ، وأبي عصى ، لكن هناك فروقات جوهرية بين المعصيتين وجذورهما، بين نوع المعصية بركنيها المادى والمعنوى و بين الدافع الأصلي وجوهر المعصية التي أدت إلى مصيرين مختلفين والعقوبة لكل منهما
يارب....الخلود... هو حلم العابد للخالق ..مدد يالله
أَنا العاشِقُ الأَزَلِيُّ لِلْبَقَاءِ سَنَا،
وَالخُلْدُ لَيْسَ ذُنُوبًا بَلْ هُوَ الفَنَاءُ هُنَا.
لَسْنَا نُريدُ خُلُودَ العِصْيَانِ أَوِ الزَّلَلِ،
وَلَسْنَا نَبْغِي سِوَى وَجْهٍ لَهُ الأَمَلُ.
يارب.. اللعن المؤبد لإبليس والمغفرة لآبى
نعم يارب معصية أبليس كانت لأمر تكليفي وجودي بالسجود لأدم بلأمر المباشر منك له و لجميع الملائكة، و معصية ابي كانت عدم طاعته لنهي تحذيري منك بعدم الأكل من الشجرة، وكان الدافع الحلم بالخلود
لَمْ تَحْلُمِ النَّفسُ يَوْمًا أَنْ تَكونَ عِصيَانَا،
بَلْ كَانَ في الغَيْبِ بُغْيَةٌ تَشْتَاقُ رِضْوَانَا.
رَأَيْتَ الخُلُودَ نَعِيمًا لَيْسَ يَنْتَهِي،
فَحَسِبْتَهُ رِحلةً لَيْسَتْ لَهَا ثَانِيا.

يارب أنت تعلم وغيرك لا يعلم اختلاف الذافع الأصلي، فهو عند الشيطان الكِبْر والاستعلاء والاعتراض على الأمر الإلهى والجهر بالتمرد ومعللا بأنه "أفضل" من آدم لأنه خُلق من نار، يعنى الجهر بالمعصية بالإعتراض على حكمتك في تفضيل آدم.
أما أبي فكانت الشهوة والرغبة في الخلود هى الدافع الأصلي لأبي، والتقط الشيطان كلمة السر فوسوس له بأن الأكل من الشجرة سيجعله خالداً أو ملكاً ، يعنى الدافع كان شوقاً للدوام والخلود وليس معصية مع الإستعلاء والكبر
يارب...َطَلَّ الشَّيْطَانُ مِنْ بَابِ الأَمَانِيِّ الضَّنَا،
وَلَمْ يَقُلْ: "عَادِ رَبَّكَ"، بَلْ قَالَ: "هُنَا البَقَا".
فَكَانَ طَعْمُ الأَبَدِيَّةِ أَشْهَى ما يُخَالُ،
لَعِبَ الخَبِيثُ عَلَى سِرٍّ، لَيْسَ فِيهِ احْتِيَالُ.
وَمَا كَانَتْ غايَةُ الحُلْمِ خُرُوجًا مِنْ جَنَّةِ النُّورِ،
بَلِ البَقَاءُ بِهَا أَبَدًا فِي خِدمَةِ المَقْدُورِ.
فَلَيْسَ مَنْ يَعْشَقُ الأَبَدَ عاصِيًا،
بَلْ هُوَ العاشِقُ لِلْحُبِّ الباقِيَ مُوَاصِيًا.
يارب جوهر المعصية هو الخطأ في العقيدة ، اعتراض أبليس كان على صفة الحكمة والعدل الإلهي والطعن في حكمة الأمر ، أما خطأ أبي كان غير مقصود في التنفيذ بسبب نسيان أو غفلة أو غلبة للشهوة، دون اعتراض على الأمر الإلهي نفسه.
يعني طبيعة مخالفة ابليس إرادية وتحدٍّ ، يعنى معصية مع سبق الإصرار والترصد لأنها نابعة من إرادة مستقرة وتصميم على عدم الطاعة. أما مخالفة أبي هي نسيان أو زلة وأكد ذلك القرآن الكريم حين يصفها بالنسيان: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (طه: 115])
يارب... لَعِبَ الشَّيْطَانُ عَلَى الجَهْلِ فِي نُفُوسِنَا،
فَصَوَّرَ الخُلْدَ بَغْيًا كَانَ قَدْ لُبِسَا.
وَمَا الخُلْدُ إِلا مَوْجٌ مِنْ رِضًا أَبَدِي،
نَغْرَقُ فِيهِ فِي عُبُودِيَّةٍ بِمَدَدِ.
فَيَا نَفْسِي، لَوْ دَامَ القِيَامُ لِخَالِقِكِ،
لَبِعْتِ كُلَّ الخُلُودِ الفَانِي لِبَاقِكِ.
فَالخُلُودُ هُوَ تَحْقِيقُ الرُّوحِ لِغَايَتِهَا،
ويأتي رد الفعل بعد المعصية ليكشف الدافع الأصلى ، عند إبليس الإصرار على الذنب ولم يطلب المغفرة، بل رفع راية العصيان بالإصرار، فلم يندم ، بل لوح بغواية ادم وذريته الى يوم الدين
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16
وكان حكمك وحكمك العدل ياربي " لُعن وطُرد من رحمتك إلى الأبد،
أما أبي فسارع بالاعتراف بالذنب والندم الفورى والتوبة ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].
وكان الحكم الألهي المغفرة .
يارب .. مبتغى الخلود الذى سعى له ابى أدم هو البقاء للأبد لعبادتك تحقيقا لقولك الكريم "وما خلقت الإنس والجن الا ليعبدون " ولم يكن السعى للخلود للعصيان أو الخروج عن أمرك، حاشا لله ..يارب كيف لأبي ان يعصاك وقد كرمته وفضلته على باقى خلقك والملائكة وأمرتهم بالسجود له ,وطردت الشيطان من رحمتك حين رفض السجود متباهيا بخلقك له من نار وخلقك لأبي من طين .. ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
[ البقرة: 34]
يارب أبى أدم سعى لشجرة الخلد لا لعصيانك وأنما كان يبغى العيش للأبد ليعبدك ويشكرك على خلقه ونعمك عليه وبنفخك فيه من روحك
يا رب اعطني جسدا يستطيع البقاء للأبد لكي يعبدك للابد
أَنَّى لَنَا أَنْ نَمَلَّ القُرْبَ مِنْ مَلِكٍ،
وَالْعُمْرُ يَجْرِي، وَفِيهِ الخَيْرُ مُشْتَرِكٌ؟
يارب..حَسْبُنا أَنَّ بَعدَ المَوْتِ مَوْعِدُنَا،
خُلُودُ طَاعَةٍ تَشْفِي لَنَا كَمَدَا.
فَالرَّغْبَةُ الدَّائِمَةُ فِي البَقَاءِ عَمَلٌ،
وَلَيْسَتْ سِوَى تَجَلِّي عِشْقِنَا للمولى
يارب أبى سعى لجوهر العبادة الصادقة التي تتمنى دوام القرب منك لا انتهائه بالموت الجسدى وان بقت الروح ، يارب خلقت أبى من طين ، وظن أبى أن الطين لا يبلى ولكنه يتحول من صورة لأخرى، يلتصق بالأرض ولا يفارقها ..يارب ظن أبي أنه لا يبلى، فلم يكن من نور يخفت ويتلاشى ولا نار تنطفئ وتتحول لرماد ، لذلك كان يحلم وذريته ببقاء الجسد بلا وهن ولا مرض ولا موت وبالطبع تسكنه روح من قبسك .. طمعا فى استدامة العبادة والحمد والشكر حتى قيام الساعة ، كى تباهى بنا الملائكة كما قلت علي لسان نبيك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم وقولك الحق :
"إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَيَخَافُونَ عَذَابِي وَلَمْ يَرَوْنِي، فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟..أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ"
يعنى يارب الخلود الذى ابتغاه أبي وأورثنا الحلم به ، ليس له ولنا ، ولكنه لك يامولانا .. يارب هو وسيلتنا للطاعة لك بالدعاء والعبادة الأبدية بالقرب منك فى أرضك التى أمرتنا بتعميرها
يارب ..نَحْنُ نَحْلُمُ بِدَوامِ الوَقْتِ
لِكَيْ نَظَلَّ نَقِيْمُ الحَمْدَ للأبد
فَكُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ دُونَ شُكْرٍ لَهُ،
هُوَ خَسَارَةٌ، وَشَوْقُ النَّفْسِ يَقْتُلُهُ.
فَالخُلْدُ أَقْصَى أَمَانِي العَبْدِ لَوْ يَدْرِي،
لَيْسَ التَّمَرُّدُ، بَلْ دَوْمُ الخُضُوعِ سَرِي.
لَوْ أَنَّنَا نَسْتَطِيعُ العَيْشَ دَهْرًا كُلَّهُ،
لَخَصَّصْنَا لَهُ حُبًّا لَنْ نُبَدِّلَهُ.
يارب أغفر لأبي ولذريته فى الحلم بالخلود ، فالمراد هو التسبيح بحمدك والتكبير لجلالك
يارب يطلب الجسد الأبدي الخلود لا للتمتع، بل لاستدامة العبادة
إِلهِي، لَيْسَ حُلْمِي أَنْ أَرَى الزَّمَنَ،
يَمُرُّ عَلَيَّ دُونَ وَجْدٍ وَلا وَهَنِ.
وَلَيْسَ الخُلُودُ بُغَايَةَ نَفْسٍ تُغَامِرُ،
بَلِ الشَّوْقُ أَنْ تَبْقَى لِوَجْهِكَ سَاجِدَةً تَذْكُرُ.
أَيَا رَبَّ البَقَاءِ، وَسَيِّدَ الأَزَلِ،
اِجْعَلْ لِي جَسَدًا لا يَعْرِفُ المَلَلَ.
لَا لِكَيْ أَتَمَلَّكُ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا،
بَلْ لِكَيْ أُطِيلَ التَّسْبِيحَ في خَلْوَتِهَا.
يارب أعذرنى ان أمتد بي الشطط فحبى لك بلا شط
وما الخلود الذى أحلم به الا مرآة للكمال الإلهي
يارب كان حلم أبي وذريته من بعدك بالخلود غاية روحية لتحقيق العبودية المطلقة للخالق الأعظم ، بعيدًا عن اللذة أو "الانتفاع" أو طاعة لشيطان كفر
يارب
الخُلْدُ فِي عَقْلِ مَنْ يَشْتَاقُ لَكْ أَبَدًا،
لَيْسَ انْتِصَارًا عَلَى مَوْتٍ غَدًا سَيَأْتِ.
بَلْ هُوَ الرُّؤْيَا لِجَوْهَرِ الحُبِّ أَنْ يَبْقَى،
وَأَنْ يَرَى الكَمَالَ دَائِمًا يُرْقَى.
يارب
نُحِبُّ البَقَاءَ، لا لِنُحْصِيَ لَذَّةً فِيهَا،
بَلْ لِكَيْ نُضَاعِفَ الحَمْدَ فِي مَرَافِيهَا.
فَكُلُّ نَفَسٍ بِهِ التَّهْلِيلُ يَسْكُنُهُ،
شَوْقٌ إِلَى الخُلْدِ لِكَيْ لا يَنْقَطِعَ العَمَلُ.
يارب أنت أعلم بما لم نحط به

يارب .. أبي وذريته جاءوك يرجون رحمتك ولم يروك ، ويخافون عذابك ولم يروك ، وقلت وقولك الحق : فكيف لو رأونى ؟.. قلتها ،لمن جاءوك على جبل عرفات وتشهد ملائكتك بأنك غفرت لهم .. فما بالك يارب بأبى الذى وقف بين يديك، فقد تمنى الخلود ليستمر ويظل فى الوقوف بين يديك ..لذلك يارب غفرت لأبى بعد ان لقنته مفردات الإستغفار كما علمته من قبل الأسماء كلها .. ولهذا أحمدك يارب وأشكرك على غفرانك لأبي ..
أعذرني ياربى وأنا أدافع عن أبي وأنت منه الأقرب
فَالنَّفْسُ تَرْجُو دَوَامَ القُرْبِ فِي عَمَلٍ،
فِي سَجْدَةٍ لا يَحُدُّ مَداها الأَجَلُ.
لَوْ أَنَّنِي أَبْقَى أَدْعُوكَ مَا طَلَعَتْ،
شَمْسٌ، وَمَا لَيْلَةٌ مِنْ بَعْدِهَا رَجَعَتْ.
فَاسْتَدْمِ الجِسْمَ أَوْ فَاهَبْهُ لِي قُوَّةً،
لِيَشْهَدَ الدَّهْرَ كُلَّهُ *صَلاةً سَمَا جِدَتْ.
فَحُبُّ الخُلُودِ، يَارَبِّ، لَيْسَ مَعْصِيَةً،
بَلْ هُوَ شَوْقُ المُحِبِّ لِبَقَاءِ الطَّاعَةِ حِسِّيَّةً
ولهذه الأسباب التى أعرفها ولا أعرفها و تعجز الكلمات عن حمدك وشكرك .. أحمدك يارب وأطلب الغفران مجددا والعفو المستمر لأبى الذى أورث ذريته الحلم بالخلود ، لا لشئ الأ ليعبدوك ويحمدوك ويشكروك للأبد ، يارب وأن فعلوا ذلك لا يوفونك قدرك ولا يدركون بعقلهم وحواسهم المحدوة قدرتك الانهائية ونعمك الا محدودة
وللحديث بقية

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة