رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب



تواجه المجتمعات المعاصرة واقعًا عالميًا يتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وتسارع التغيرات الاقتصادية والسياسية والثقافية والتكنولوجية، وفي قلب هذا الإطار تتعرض الأمم لصدمات متكررة، تتنوع بين كوارث طبيعية كالزلازل والفيضانات والأزمات البيئية، وبين أزمات بشرية كالتقلبات الاقتصادية الحادة والصراعات السياسية والحروب الإقليمية، فضلًا عن التحديات العابرة للحدود مثل الجوائح وتغير المناخ وانهيارات سلاسل الإمداد.
وأمام هذه الصورة المركبة أصبح من الضروري أن تتبنى رؤية استباقية شاملة تمكنها من التكيف السريع، وإعادة البناء بفاعلية، وتحويل التحديات إلى فرص للتجدد والنهوض، وفي هذا الإطار ظهر مفهوم المرونة المجتمعية كأحد المفاتيح الرئيسة لصمود الأمم وتعزيز قدرتها على الابتكار والإبداع، فالمرونة المجتمعية تفهم كنهج بنيوي وثقافي وتنموي متكامل يجعل المجتمع أكثر استعدادًا لاستباق المخاطر، وامتصاص الصدمات، واستثمارها في التغيير الإيجابي المستدام، مع الحفاظ في الوقت ذاته على جوهر هويته وقيمه الأساسية.
ويشمل هذا النهج مرونة الأفراد في سلوكهم وقدراتهم النفسية، ومرونة الأنظمة المؤسسية في سياساتها وإجراءاتها، إضافة إلى مرونة البنية الاجتماعية والثقافية التي تمنح المجتمع القدرة على التكيف دون التفريط في تماسكه الداخلي، وبذلك يتضح أن المجتمع المرن ليس هو المجتمع الخالي من الأزمات، وإنما هو المجتمع الذي يمتلك آليات ذكية للتعامل معها؛ آليات تضمن صون استقراره وحفظ تماسكه الداخلي، وتفتح له في الوقت نفسه آفاقًا أوسع للابتكار والتجديد، بما يجعله قادرًا على تحويل التحديات إلى قوة دافعة للتطور المستدام.
ويتطلب بناء مرونة مجتمعية حقيقية تأسيس أرضية فكرية وثقافية صلبة تشكل القاعدة التي ينبثق منها سلوك الأفراد والمؤسسات في مواجهة الأزمات، فالثقافة الجماعية بما تحمله من قيم ومعتقدات وتقاليد وأنماط تفكير، والمعايير والرموز المشتركة، تمنح الأفراد إحساسًا بالهوية والانتماء، وتجعلهم أكثر استعدادًا للتعاون والعمل المشترك في أوقات الشدة، ومن ثم تمثل ثقافة الحوار والتسامح واحترام التنوع ركيزة أساسية لتعزيز قدرة المجتمع على استيعاب الاختلافات الداخلية والخارجية من دون أن يفقد تماسكه أو هويته الجامعة.
ويشمل الأمر القيم المعنوية والإرث الثقافي المادي وغير المادي، بما فيه من تقاليد ومعارف محلية وحرفية، حيث يمكن أن يقدم حلولًا مبتكرة للأزمات المستجدة، ويغذي قدرة المجتمع على التكيف والإبداع، وكلما استطاع المجتمع استثمار موروثه الثقافي بروح نقدية مبدعة، كان أقدر على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وإنتاج استجابات جديدة للتحديات المتغيرة.
ويشكل البعد الثقافي الإطار الذي يوجه الاستجابات الجماعية ويحدد مدى قدرة المجتمع على الصمود أو التراجع، فالمجتمعات التي تنشأ على قيم التعاون، والتضامن، والتفاؤل الواقعي، وتقدير المصلحة العامة، تصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى فرص للنهوض والتجدد، لذلك، يعد نشر الوعي النقدي الذي يمكن الأفراد من قراءة الواقع وتحليل التحديات، وتعزيز روح المسؤولية الجماعية والالتزام بالقيم الإنسانية، من الركائز الأساسية لبناء بيئة اجتماعية حاضنة للتكيف والإبداع، ولبنة ضرورية لجعل المرونة المجتمعية ممارسة عملية مستدامة.
وتحتل التربية موقعًا استراتيجيًا في بناء المرونة المجتمعية؛ فهي تمثل الجسر الذي يعد الأجيال الجديدة للتعامل مع عالم متغير وسريع الإيقاع، ومن خلال مناهج حديثة تدمج فيها مهارات التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعلم مدى الحياة، تستطيع المؤسسات التعليمية أن تخرج أفرادًا قادرين على التكيف والإبداع، غير أن تحقيق هذا الهدف يتم عبر المعارف النظرية ويتطلب أيضًا تجارب عملية في المشاركة المجتمعية والعمل التطوعي وتنمية الحس بالمسؤولية الاجتماعية، بحيث يصبح المتعلم فاعلًا في مجتمعه لا مجرد متلقٍ للمعرفة.
وعندما يربط النظام التعليمي بين المعارف النظرية ومهارات الحياة العملية، ويغرس في الطلبة ثقافة الحوار وقبول الآخر، فإنه يسهم في بناء شخصية متكاملة قادرة على التفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل الجماعي بفاعلية، وهنا ينبغي أن تدمج المناهج التربوية قيم المرونة والابتكار في محتواها، عبر التدريب على مهارات الحياة، وإدارة الأزمات، والتعلم المستمر، لتصبح العملية التعليمية مختبرًا حيًا لصقل القدرات وتنمية الوعي، وبهذا تتحول المؤسسات التعليمية إلى مؤسسات فاعلة لإعداد أجيال واثقة بنفسها، متشبعة بالقيم الإنسانية، ومؤهلة لمواجهة تحديات المستقبل بثقة ومرونة وإبداع.
وتعد المرونة المجتمعية قضية ذات أبعاد اجتماعية ونفسية متكاملة؛ فتماسك النسيج الاجتماعي، وقوة شبكات الدعم الأسري والمجتمعي، يعززان قدرة الأفراد على مواجهة الضغوط والتحديات، وتشكل الصحة النفسية بدورها عنصرًا جوهريًا في صمود المجتمعات، إذ يحتاج الأفراد إلى الشعور بالمعنى والغاية، وإلى تنمية مهارات الذكاء العاطفي والمعرفي التي تمكنهم من التكيف الإيجابي مع الأزمات، ومن ثم تتضح أهمية البرامج والمبادرات المجتمعية التي تعزز الإيجابية، وتكسر حواجز العزلة، وتنشر ثقافة التضامن والعمل المشترك، بما يرسخ بيئة داعمة للصحة النفسية ويقوي أسس الصمود الجماعي.
وتمثل المرونة المجتمعية قضية سيادة وأمن قومي بامتياز؛ فقوة الدولة تقاس بقدراتها العسكرية و الاقتصادية، وقدرة مجتمعها على الصمود والتكيف مع الأزمات الداخلية والعالمية المتسارعة، فالمجتمع المرن هو الذي يحدد موقعه على الخريطة الدولية، ويصون استقلاله في مواجهة التحديات العابرة للحدود، سواء تعلق الأمر بالأمن الغذائي، أو الطاقة، أو الأمن الرقمي، أو غيرها من مجالات الأمن الشامل، ومن هذا المنظور، يصبح بناء المرونة المجتمعية معادلاً في أهميته لبناء القوة الصلبة للدولة، وخط الدفاع الأول عن الوطن، وركيزة مكملة تعزز فاعليتها وتضاعف أثرها؛ وتحافظ على تماسك المجتمع وتدعم قدرته هلي المواجهة والبناء والتجدد، بما يرسخ الاستقرار ويحفظ مكانة الدولة في النظام الدولي.
ويعد الانتقال من مجرد إدارة الموارد المادية إلى إدارة الطاقات البشرية والإبداعية من أبرز مظاهر المرونة المجتمعية العصرية، فالمجتمع الذي يتعامل مع أفراده باعتبارهم عقولًا مبدعة يفتح لنفسه آفاقًا أوسع للتقدم والتجديد، وعندما تستثمر هذه الطاقات البشرية في إطار رؤية وطنية متماسكة، فإنها تتحول إلى قوة إنتاجية ومعرفية هائلة قادرة على ملاحقة المتغيرات العالمية واستباقها، وهكذا يصبح الإنسان، بما يمتلكه من إبداع وابتكار، هو المحرك الرئيسي للتنمية الشاملة والركيزة التي تنهض عليها قدرة المجتمع على التكيف المستدام.
وتمثل مصر نموذجًا بارزًا في تجليات المرونة المجتمعية؛ فبرغم ما مرت به من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية خلال العقود الماضية، استطاعت أن تحافظ على تماسك نسيجها الاجتماعي وصلابة مؤسساتها الوطنية الأساسية، ويعود هذا الصمود إلى تضافر عوامل تاريخية وثقافية وحضارية عميقة، جعلت الهوية المصرية هوية جامعة ومتجذرة في الوجدان العام، بجانب وجود مؤسسات راسخة كالدولة المركزية، والنظام التعليمي، ومؤسستي الجيش والشرطة، وسائر أجهزة الدولة، والتي شكلت مجتمعة ركيزة لصمود المجتمع المصري في مواجهة الأزمات والتحديات المتلاحقة.
وتعزز هذه الركائز بسياسات وبرامج وطنية طموحة تستهدف تقوية عناصر المرونة المجتمعية، مثل مشروعات الحماية الاجتماعية وتوسيع مظلاتها، وتطوير البنية التحتية في مختلف المحافظات، وتمكين الشباب والمرأة، ودعم الاقتصاد الأخضر والتحول الرقمي، وهي كلها إجراءات تسهم في بناء قاعدة مجتمعية أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات المحلية والعالمية، وبذلك فإن الدولة المصرية، بما تمتلكه من إرث حضاري وثقافي متنوع، ومن موارد بشرية واسعة، مؤهلة لأن تتحول إلى نموذج إقليمي رائد في المرونة المجتمعية إذا ما استمرت في دمج هذه القيم والسياسات ضمن رؤية وطنية شاملة توازن بين الأصالة والتحديث، وتعزز قدرات المجتمع على الصمود والابتكار.

بقلم
أ.د/ مها محمد عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة