رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


النيل ليس نهرًا عاديًا يمكن أن يُختزل في جداول حسابية أو هندسية باردة، بل هو شريان حياة رسم ملامح الحضارة المصرية منذ آلاف السنين. وكل من يتوهم أن بإمكانه العبث بهذا الشريان بقرار أحادي، إنما يعبث بحق الوجود ذاته. إن الفيضان الأخير الذي أغرق السودان لم يكن مجرد كارثة طبيعية، بل جرس إنذار عالمي: فماذا لو استمرت إثيوبيا في نهجها المتعنت؟ وماذا لو تحوّل النيل من منبع للحياة إلى أداة للابتزاز السياسي؟
المشهد كان فاضحًا: فالخرطوم غارقة في المأساة، عشرات الآلاف بين نزوح وضياع، بينما إثيوبيا تراقب ببرود وكأنها لم تكن شريكًا في صناعة الخطر. وفي المقابل، أظهرت القاهرة مسؤوليتها التاريخية، بقيادة وزارة الموارد المائية والري، وبإشراف مباشر من الرئيس عبد الفتاح السيسي، فُتحت بوابات السد العالي، وجرت المياه في مجاري جديدة حفرت خصيصًا لمواجهة مثل هذه الأزمات. مصر لم تُنقذ نفسها فقط، بل قدّمت نموذجًا استثنائيًا لإدارة الأزمات، مؤكدة أنها دولة قادرة على حماية نفسها وجيرانها في ذات الوقت.
ولأن مصر لم تكتفِ برد الفعل، فقد سبقت الأحداث بخطط استراتيجية طويلة المدى، تشمل إصلاح مفيض توشكى والاستفادة منه بسعة تخزينية تصل إلى 56 مليار م³ لتغطية مساحة تقارب 1000 كم² عبر ثلاثة بحيرات رئيسية تستقبل فائض المياه عندما يتجاوز منسوب بحيرة ناصر مستوى 174 مليار م³، وإنشاء واحد من أكبر وأطول "الأنهار الصناعية" في الصحراء الغربية بطول 114 كم لزراعة 2.2 مليون فدان، وهو مشروع قادر على استيعاب كميات كبيرة من المياه. كما شُهد تطوير وإنشاء قناطر وبحيرات وممرات مائية عملاقة للتحكم في نهر النيل، بما يقلل من مخاطر الفيضانات والجفاف ويحدّ من تأثيرات سد النهضة قدر الإمكان.
وعسكريًا، عزّزت مصر تحالفاتها عبر اتفاقيات دفاع مشترك وتعاون عسكري مع دول محيطة بإثيوبيا، وآخرها اتفاقية مع الصومال التي سيتواجد فيها عناصر من القوات المصرية بشكل دائم، مما يشكّل رادعًا شديد الخطورة لإثيوبيا إذا ما تحوّلت الأمور إلى مواجهة وجودية.
أما إثيوبيا، فهي تمارس مؤامرة غير محسوبة، تلوّح بالمياه كسلاح وتتفاخر بفرض سياسة الأمر الواقع. هذا ليس سعيًا للتنمية كما تدّعي، بل تحدٍ للقانون الدولي واعتداء مباشر على الحقوق التاريخية والقانونية لدولتي المصب. ومن يتخيل أن مصر يمكن أن تتهاون مع هذا العبث، فهو لا يعرف تاريخها ولا يدرك ثقلها.
التاريخ نفسه يفضح الزيف الإثيوبي ويضع العالم أمام الحقيقة الموثقة. ففي ديسمبر 2009، كلّف اللواء عمر سليمان – رئيس جهاز المخابرات العامة آنذاك – المستشارة هايدي فاروق، خبيرة الوثائق وقضايا الحدود الدولية، بالبحث في الأرشيف البريطاني عن مستندات تثبت حق مصر في أرض سد النهضة. وكانت النتيجة اكتشاف خرائط ووثائق تعود إلى أطلس عام 1913، تتضمن اتفاقية مؤرخة في 15 مايو 1902، كُتب عليها صراحة: «اتفاقية مياه تساوي اتفاقية حدود». هذه الاتفاقية تثبت أن مصر امتلكت مساحة تقدَّر بـ 3600 كم² من الأراضي التي أقيم عليها السد، وهي أراضٍ دفعت مصر ثمنها منذ عهد الخديوي إسماعيل، واكتمل سدادها في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1959. وأكدت اتفاقية لوزان بين بريطانيا وإيطاليا وإريتريا وإثيوبيا ومصر والسودان في بندها الثالث: «عدم السماح بالقيام بأي أعمال على مجرى النهر دون الرجوع إلى مصر».
هذه ليست حكايات عابرة أو أوراقًا منسية في أرشيف مغلق، بل حقائق دامغة وشواهد موثقة تضع إثيوبيا في موقع المعتدي على القانون والتاريخ معًا. إن الاستمرار في هذا النهج ليس مجرد تعنت، بل مجازفة خطيرة تقترب من إعلان الحرب على التاريخ والجغرافيا والسيادة المصرية. ومن يتصور أن مصر ستقبل بطمس وثائقها وحقوقها، لا يعرف أن كل بند مكتوب في تلك الاتفاقيات هو سلاح شرعي وقانوني، وأن تجاهله لن يقابل إلا بردع يتناسب مع خطورة التهديد.
والرسالة التي كررها الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة صارت عقيدة وطنية: "المساس بمياه مصر خط أحمر." هذه ليست جملة إنشائية، بل مبدأ سيادي راسخ، عنوانه أن بقاء مصر مرهون بمياه النيل، وأن الدفاع عن هذا الحق واجب لا يقبل التهاون.
المجتمع الدولي بدوره لم يعد قادرًا على تجاهل الأزمة. مجلس الأمن وضعها على طاولته، والاتحاد الأفريقي حاول مرارًا دفع المفاوضات، لكن التعنت الإثيوبي أجهض كل فرصة للحل. فيما أعربت واشنطن عن قلقها ودعت لاتفاق "عادل ومتوازن"، وأكد الاتحاد الأوروبي أن استقرار القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر مرتبطان بحل أزمة النيل. لكن أديس أبابا لا تزال تسير في طريق العناد، وكأنها لا تدرك حجم المخاطر التي تزرعها لنفسها قبل غيرها.
من هنا فالمجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: إما أن يقف مع الحق والوثائق والتاريخ، أو أن يتواطأ بالصمت مع المعتدي. إنها معركة وجودية بامتياز: إما أن تختار إثيوبيا التعاون وتربح التنمية المشتركة، أو أن تواصل التعنت وتجرّ المنطقة إلى صراع لا تُحمد عقباه. ومهما اختلفت السيناريوهات، تبقى الحقيقة واحدة: مصر قادرة على إدارة الأزمة بحكمة، لكنها في الوقت ذاته تمتلك القوة والإرادة لحماية حقها بكل الوسائل.
النيل ليس مجرد خط أحمر… بل هو شريان حياة مصر، ومن يقطع شريانها إنما يكتب نهايته بيده. التاريخ يذكر أن مصر قد تصبر، لكنها لا تنسى… وإذا اضطرت، فإنها تعرف متى وكيف تدافع عن حقها، ولو كان الثمن حربًا تُسقط كل الأقنعة.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة