رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

في كل نصٍّ يولد الكاتب من جديد، حاملاً غربته وحنينه كمن يصنع وطنًا ثالثًا بالكلمات.. يكتب لا ليعيد صياغة الواقع فحسب، بل ليجرّبه بعيون أخرى. والكتابة هنا ليست هوايةً بل نجاةٌ خفيّة، صلاةٌ للروح تداوي ما يتسرّب منها في صمت الأيام.. وكل كلمةٍ تُكتب هي أثرٌ حيّ على صفحة الزمن، تُبقي الكاتب والقارئ معًا في رحلة البحث عن المعنى.
والكاتب لا يكتب ليُرضي قارئًا مجهولاً، بل ليصالح في داخله تلك الأصوات الكثيرة التي تتنازع كيانه. الكتابة هنا فعل إنقاذ للذات قبل أن تكون رسالة إلى الآخر؛ محاولةٌ لترميم صدوعٍ صغيرة تتسرب منها الحياة.
والكتابة ليست موهبةً وحسب، بل رياضة للروح، نوعٌ من الانحناء العميق على الذات لسماع ما لا يُسمع في ضجيج الأيام. هي قدرة على تحمّل الضوء كما تحمّل العتمة، على ملامسة الجرح دون أن يلتئم فورًا، لأن في النزيف سرّ الصدق. وكل جملة تُكتب تُشكّل خطوة صغيرة نحو اكتشاف ذاتٍ أعمق.
وأحيانًا تكون الكتابة مرآةً للغريب فينا أكثر منها نافذةً على العالم. فيها نكتشف تلك المناطق التي لم نجرؤ على لمسها إلا بالحبر. هي بوحٌ مؤجَّل عن حبٍ خفيّ، أو خوفٍ غامض، أو شغفٍ لم يُعترف به بعد. بهذا المعنى، كل نصّ هو اعتراف غير مكتمل، وكل قارئ هو شاهدٌ على هذا الاعتراف.
الكاتب في جوهره شاهدٌ على عصره، لكنه أيضًا شاهد على نفسه. حين يدوّن، فإنّه يحاول أن يصنع أثرًا يشبه بصمة الروح على صفحة الزمن. هذه البصمة قد تبهت يومًا، لكنها تظلّ شاهدةً على أنّ أحدهم عبر من هنا، وأنّ كلماته كانت محاولة للحياة وسط الخراب.
وكلما ابتعد الكاتب في رحلته، اكتشف أنّ الغربة ليست نهايةً بل منبع المعنى. إنّها الخيط الذي يجمع نصوصه المتفرقة ويجعلها نسيجًا واحدًا. هكذا تتحوّل الكتابة إلى بيتٍ متنقّل يسكنه حين تضيق به الأمكنة، وإلى وطنٍ مؤقّت يعبره كلما شعر أنّ لا وطن له إلا الكلمة.
ولعل الحقيقة الوحيدة هنا انه على تخوم الذاكرة والخيال هنالك آفاق متنائية بعيدة، حيث تتعانق الكلمات مع صدى الأرواح.. حيث تولد الكتابةُ مثل طائر مهاجر يحمل معه من شتات الذكريات . والكتابة ليست مجرّد حروف على ورق، بل محاولة مستمرة للقبض على ما يفلت منّا: إحساسٌ غامض، صورةٌ ضائعة، أو ومضة حياة تسكن بين اللحظة والأبد. هكذا تتشكّل النصوص، كرحلة داخل الذات وخارجها في آن، تفتّش عن معنى الغربة والغياب والحضور، عن ذلك الخيط الخفي الذي يشدّ الكاتب إلى الحياة ويمنحه القدرة على أن يحياها بالكلمة.
وفي أعماق النفس، حيث تتشابك الذاكرة بالحلم وتتعانق الجراح بالشوق، تصبح الكتابة أشبه بصلاةٍ صامتة أو تنفّسٍ للروح في فضاء لا يحدّه زمان ولا مكان. كل سطر محاولةٌ لالتقاط نبضةٍ مفقودة، وكل كلمة إشراقةٌ صغيرة على طريق طويل من الانتظار والبحث عن المعنى. وهكذا يغدو النصُّ مرآةً لحنينٍ مقيم، ونافذةً تتهجّى بها الروح أسرارها كي لا تذوب أو تتلاشى في صمتها.
وفي أقصى أعماق الروح، حيث يلتقي النور بالظلّ وتتماوج الأسرار مع الحنين في بوتقة روحية، تولد الكتابة مثل نفَسٍ داخليّ يتشكّل من شهقة الذاكرة وزفرة الشوق. هي انبثاق لحظةٍ صافية لا زمن لها، فيها تعترف الروح بما تخبّئه وتستعيد ما أفلت منها، لتكتب عن الغياب وكأنّه حضور، وعن الألم وكأنّه حياة. هكذا تغدو الكلمة صلاةً وجرحًا، سحرًا صغيرًا يشعل القلب كلما خبت فيه شرارة الأمل.
وكما قال إيفو أندريتش :
“أن أحداً لا يعرف ما يعانيه امرؤ يولد ويعيش على الحدّ الفاصل بين عالمين يعرفهما ويفهمهما، وليس بوسعه فعل شيء ليجعلهما يتصارحان ويتقاربان.. يمضي حياته وهو متردد، يعيش في وطنين لا يملك أيًّا منهما.”
وهكذا كل كاتب يولد على حدودٍ غير مرئية؛ قدماه في الواقع، وعقله ومخيلته في الخيال.. قلبه معلّق بين الاثنين. يعيش إحساسه كما لو كان جسراً يمتدّ بين عالمين متنافرين: عالمٍ صلبٍ ملموسٍ تحكمه القوانين والأشكال، وعالمٍ آخر لا يُرى إلا بالبصيرة، تسبح فيه الأحلام والرموز والمعاني. هذه الثنائية ليست ترفاً جمالياً، بل هي أصل معاناته وسرّ توهّجه في آنٍ واحد.
والكتّاب لا يكتبون لأنّ الكتابة هواية، بل لأنّها ضرورة وجودية لهم؛ حين يعجزون عن العيش في عالمٍ واحد، ينسجون بالكلمات عالماً ثالثاً يتّسع لهم وربما لغيرهم. غير أنّ هذا العالم لا يمنحهم الأمان الكامل؛ يظلّون فيه غرباء، ويظلّ كل نصّ بيتاً مؤقّتاً يقيمون فيه ثم يغادرونه. ومن هنا تنبع مرارتهم الحلوة: أنّهم يخلقون أوطاناً لا يسكنونها، ويبنون جسوراً لا يعبرونها.
ويمكن القول ان معاناة الكاتب ليست ضعفاً ولا شكوى، بل هي ضريبة الحساسية المفرطة والوعي العميق. هو يرى ما لا يراه الآخرون، يسمع ما لا يسمعونه، ويلمس بأصابعه ما يهرب من اللغة العادية. وكل نصّ يكتبه هو محاولةٌ لترجمة هذه الفيضانات الداخلية إلى كلمات قابلة للقراءة. لكن القارئ لا يرى سوى السطح المنقوش، ولا يدرك أنّ كل جملة كُتبت بدمٍ داخليٍّ، وأنّ كل استعارة هي في الأصل ندبةٌ أو شظيةٌ من روح الكاتب.
وفي ضوء مقولة “إيفو أندريتش” السابقة نفهم أنّ الكاتب يعيش على تخوم وطنين لا يملك أيًّا منهما. إحساس الغربة هذا هو ما يجعل نصوصه حيّة ونابضة بالصدق، لأنّها كُتبت من قلب المسافة بين الداخل والخارج، بين الحلم والواقع. هو كائنٌ مسافر دائماً، لا يصل إلى ميناء نهائي، وكل كتابة جديدة ليست سوى محاولة صغيرة لترميم هذا المنفى الداخلي أو على الأقل لفهمه.
وهكذا تتحوّل معاناة الكاتب إلى نوع من النعمة المستترة: هي التي تمنحه العمق والرهافة والقدرة على تحويل الألم إلى معنى، والغربة إلى جسرٍ يمرّ عليه الآخرون نحو ذواتهم. الكتابة هنا فعل نجاةٍ خفيّ، وصلاةٌ للروح كي لا تضيع في صمتها ونافذة تطل منها على أفق أكبر وحدود أرحب من حدود الواقع.
وعند آخر السطر لا تنطفئ الأسئلة ولا يهدأ الوجدان؛ بل تتفتّح في القلب نوافذ أوسع على ما كان وما سيكون. هكذا تظلّ الكتابة فعل نجاةٍ خفيًّا، ووشوشةً للروح في مواجهة العدم، تلمّ شتات الذكريات وتعيد ترتيبها على هيئة معنى جديد. وما بين لحظة وأخرى، بين ومضة ألم وشهقة أمل، نكتشف أنّ الكلمة ليست نهاية بل بدءٌ دائم لرحلةٍ في أعماق النفس نحو ما يبرق فيها من حياة.
وعند آخر الكلمة لا ينتهي الطريق، بل تبدأ رحلة أخرى في عمق الروح؛ حيث يصبح الحرف نبضًا جديدًا للحياة، يضمّد الغياب ويوقظ الأمل، وتغدو الكتابة ومضة نجاةٍ صغيرة تذكّرنا بأننا ما زلنا أحياء.
هكذا حين يهدأ الحبر على الصفحة، لا تنطفئ الروح بل تذهب إلى أفق بعيد؛ وتبقى الكتابةُ جسراً نعبر به الغياب، ولمسةً دافئة توقظ فينا الحلم كلّما حسبناه انطفأ.
وهكذا تظلّ الكتابة وطنًا مؤقّتًا يعبره الكاتب كلما ضاق به الواقع، وجسرًا سرّيًا يصل به إلى ذاته.. فهي وجعٌ ومعنى في آن، ونجاةٌ تمنح للحياة صوتًا حين يهدّدها الصمت.
وفي النهاية تبقى الكتابة مرآةً صادقة للغربة الداخلية، تلمّ شتات الروح وتعيد تشكيله معنىً جديدًا.
هي ليست نهاية الطريق، بل بداية دائمة لرحلة أعمق في صمت القلب وحنينه.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة