رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

العرب بين خيار النهوض بتحالف موحّد… أو الغرق في فوضى التبعية

، لم تكن القمة الأخيرة في الدوحة اجتماعًا عاديًا لزعماء العرب والمسلمين، بل انعقادًا استثنائيًا على صفيحٍ ملتهب، سبقته واقعةُ العدوان الإسرائيلي على الأراضي والأجواء القطرية، والتي هشّمت جدار الوهم وأكدت أن الخطر لم يعد بعيدًا عن باقي العواصم. تحت أضواء الكاميرات جلس القادة بوجوهٍ مرهقة، فيما كانت خلف الكواليس حساباتُ السياسة وأبعادها تتقاطع؛ فكل كلمةٍ محسوبة، وأي إشارةٍ مشحونةٌ بدلالتها.

الرئيس عبد الفتاح السيسي ذكّر الحضور بدعوته عام 2015 لتأسيس جيشٍ عربيّ موحّد، مؤكدًا أنها لم تكن ترفًا سياسيًا، بل استباقًا ليومٍ يصبح فيه الأمن العربي على شفا أزمة مصيرية. واليوم، ومع ظهور الطائرات الصينية الحديثة J-10C في سماء مصر بما تمثله من قدرة متقدمة على الردّ السريع والدفاع الجوي، وفي ظلّ تذبذب الموقف الأمريكي بين حليفٍ مُعلَن وواقعٍ ميدانيّ مهتز، يعود السؤال بإلحاح: هل يبقى مشروع الجيش العربي حلمًا مؤجّلًا، أم يتحول إلى أولوية عاجلة؟

فواشنطن بدت أكثر ارتباكًا من كونها قائدًا حاسمًا؛ إذ لم تعد حاملات الطائرات في شرق المتوسط درعَ حماية، بقدر ما تحولت إلى عبءٍ يخشى البنتاجون أن يجره إلى مواجهة إقليمية. وفي العلن اكتفت الإدارة الأمريكية بترديد عبارةٍ فقدت مصداقيتها: «حق إسرائيل في الدفاع عن النفس»، بينما في الكواليس ضغطت على العواصم العربية لمنعها من استخدام أدواتها الاستراتيجية مثل النفط أو الممرات المائية. صار التناقض صارخًا بين خطابها المعلن ومصالحها الواقعية؛ فالعلاقات التجارية مع الخليج واضحة، وصفقات السلاح مربوطة سياسيًا وتقنيًا بواشنطن، بما يقيّد قدرة تلك الدول على التعامل مع إسرائيل كعدو محتمل. بل إن تصريحات دونالد ترامب، حين تفاخر بالحصول على مليارات الدولارات من العملات والاستثمارات الخليجية، جاءت لتكشف جوهر هذه العلاقة؛ فما هي إلا ضمان للمصالح الأمريكية – والإسرائيلية – أولًا.

في المقابل، تجسدت عنجهية بنيامين نتنياهو، التي لا تقل عن غطرسته السياسية، في خطابٍ متعالٍ. لم تقتصر لغته على التصريحات، بل امتدت إلى أفعالٍ أكثر خطورة؛ فراهن على عملية برية في غزة يراها احتلالًا طويل الأمد، متجاهلًا تحذيرات جنرالاته من خطر الاستنزاف. ولم تكن دوافعه قومية بقدر ما كانت شخصية؛ إذ استثمر الحرب كغطاء لإنقاذ موقعه، فهو غارقٌ في محاكم الفساد والاحتجاجات الشعبية، ويرى في الحرب طوق نجاة يمدّ له عمرًا إضافيًا في الحكم. وبذلك بدا وكأنه يقامر بمستقبل إسرائيل كله من أجل أن ينقذ مستقبله الشخصي والسياسي. فمعركته الحقيقية لم تكن عسكرية بقدر ما كانت سياسية داخلية.

أما طمع ترامب فكان واضحًا؛ بأسلوب "المقاول" لا السياسي. فهو لم يرَ غزة كقضيةٍ إنسانية بقدر ما رآها مجالًا استثماريًا: حقول غاز بحرية، موقع استراتيجي مؤهل لمشاريع سياحية وتجارية ضخمة. إنها رؤية تقرأ المنطقة كفرصٍ اقتصادية تُستثمر بعد تعليب الصراع سياسيًا.

وإذا كان ذلك هو المشهد في فلسطين، فإن استباحة إسرائيل للأراضي السورية تؤكد أن التهديد أوسع من حدود غزة. الغارات على القنيطرة وجبل الشيخ مثال على توسّع استراتيجي يهدد وحدة سوريا في ظلّ غياب جيش قادر على الردّ، بالتزامن مع تجاهل المجتمع الدولي لتلك الانتهاكات، مما يبرز ضعف التضامن الإقليمي، ويكشف في الوقت ذاته الحاجةَ الماسة لمشروعٍ عربيّ مشترك يردع العدوان ويحمي السيادة.

من هنا، بات طرح فكرة «الناتو العربي» كخيارٍ استراتيجي أمرًا بالغ الأهمية. غير أن الطريق ليس معبّدًا؛ فالبيت العربي مثقلٌ بانقساماتٍ عميقة: الخليج يعتبر إيران التهديد الأول، المشرق يركّز على الصراع مع إسرائيل، بينما شمال أفريقيا مشغول بملفات الساحل وليبيا. يضاف إلى ذلك أثر اتفاقيات التطبيع التي وضعت بعض الدول في مسارٍ مختلف، مما صعّب الاتفاق على «عدوٍّ واحد» يوحّد البوصلة. فضلًا عن أن الغرب لن يقف مكتوف الأيدي أمام أي تحالفٍ مستقل قد يقلّص نفوذه أو يهدد صفقات السلاح الضخمة في المنطقة.

ومع كل هذا، تبقى للعرب أوراق ضغط هائلة لم تُفعَّل بعد: مثل النفط والغاز كسلاح اقتصادي، والممرات البحرية الحيوية من قناة السويس إلى باب المندب، بالإضافة إلى الاستثمارات الضخمة في الأسواق العالمية. وحتى مسار التطبيع يمكن تحويله من تنازلاتٍ مجانية إلى أوراق تفاوض. إن هذه الأدوات، إذا ترافقت مع قرار سياسي شجاع، ستكون قادرة على تأسيس نواة تحالف أمني واقتصادي عربي مستقل، مبني على تنويع مصادر السلاح، وبناء صناعة دفاعية محلية، وفرض العلاقات الخارجية على قاعدة الندية لا التبعية.

وعلى الساحة الدولية، بدا الاختلاف جليًا: فأوروبا منقسمة بين داعمٍ لإسرائيل كألمانيا وفرنسا، ومعارضٍ جريء كالتيار الإسباني والإيرلندي. بينما الاتحاد الأوروبي بدا عاجزًا عن موقفٍ موحّد، فيما استغلت روسيا والصين المشهد لإحراج واشنطن؛ الأولى برفع شعار ازدواجية المعايير الأمريكية، والثانية بدعم وقف إطلاق النار والتلويح بدورٍ بديل في رعاية السلام. أما تركيا فصعّدت خطابها الدبلوماسي وطرحت وساطات، وأما إيران فدعمت المقاومة وأكدت حضورها الإقليمي. حتى أفريقيا وأمريكا اللاتينية كان لهما صوتٌ لافت؛ وكذلك جنوب أفريقيا التي طالبت بمحاكمة إسرائيل، والبرازيل وبوليفيا وقفتا في مجلس الأمن بوجه الفيتو الأمريكي.

كل هذه التحولات تعكس تباين المشهد العالمي، وتعيد إلى الواجهة درس أكتوبر 1973، حين توحّد العرب سياسيًا وعسكريًا وحققوا قوة ردع مؤثرة. واليوم، ومع الثروات المالية الضخمة، تؤكد التجربة أن الموقف العربي الموحّد قادرٌ على مواجهة التحديات الإقليمية.

المعركة الأساسية ليست فقط على الأرض أو في السماء، بل في الاختيار الاستراتيجي. وفي هذا السياق، تبرز ضرورة تحويل الثروات العربية الهائلة من مجرد موارد مالية إلى رافدٍ حقيقي للأمن المشترك. لا يكفي أن تبقى الأموال الخليجية الطائلة تستثمر في مشاريع مدنية فقط؛ بل ينبغي توجيه جزءٍ كبير منها لتمويل بناء منظومة دفاعية عربية موحّدة، والاستثمار في البحث والتطوير العسكري والمدني، وإنشاء مصانع وتصاميم دفاعية محلية تقلّل الاعتماد على تقنيات خارجية مرتبطة بالمصالح السياسية للآخرين.

ومن هنا، بات من الضروري ضخ الموارد في التكنولوجيا الحديثة لأغراضٍ متطورة، للمحافظة على السيادة: من أنظمةٍ متقدمة للرصد والاستخبارات، وقدرات إلكترونية وسيبرانية للدفاع وحماية البنى التحتية، إلى منظوماتٍ مضادة للطائرات المسيّرة والتهديدات الدقيقة، وأقمار صناعية للاتصالات والمراقبة تديرها تحالفات عربية.

هذا المسار لا يعني التوجّه نحو عدوانيةٍ موجّهة، بل يعني بناء قدرة كبحٍ ذاتية واستراتيجية تسمح للدول العربية بحماية مصالحها والدفاع عن شعوبها، من دون أن تكون رهينةً لقرارٍ عابر في عاصمة أجنبية، أو خاضعةً لصفقات مالية تُسدَّد ثمنًا للحرية السياسية من الخارج.

فالتاريخ لا يرحم المترددين، والشعوب لن تغفر الاكتفاء بالبيانات البروتوكولية بينما السيادة تتآكل والفرص تضيع. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يختار العرب أن يبقوا مراقبين صامتين، أم يحوّلوا أوراقهم وقواعدهم واستثماراتهم إلى قوةٍ حقيقية تعيد لهم الكلمة والأرض والسيادة؟

فالمستقبل لن يرحم المرتعشين؛ إما أن نصنع التاريخ، أو نصبح هوامشه.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة