تكفي نظرة واحدة فقط الي خريطة الحدود المصرية لنري حجم وخطورة التهديدات التي تتعرض لها الدولة المصرية على مدار الساعة.. ولست ممن يؤمن بالمطلق بنظرية التفسير التآمري للتاريخ، الا ان هول ما يحدث بالحدود في هذا التوقيت تحديدا لا يترك لك أي خيار لفهمه واستيعابه سوي عبر تلك النظرية.
منذ أحداث ما يسمي بثورات الربيع العربي عام 2011، والأمور تزداد خطورة. علي الحدود الغربية مازالت ليبيا تعاني منذ سقوط حكم الرئيس معمر القذافي، البلاد اصبحت قاب قوسين أو أدني للتقسيم السياسي والجغرافي، وهذا شأن داخلي إذا تم بتوافق أبناء الشعب الليبي الشقيق، لكن الوضع ينبئ بعكس ذلك. علي الحدود الجنوبية الوضع أكثر مأساوية، هناك بالفعل ملامح محاولة تشكيل دولة في اقليم دارفور غرب السودان بعد تشكيل حكومة مؤقته لم يتم الاعتراف بها من اي جانب، في الوقت نفسه فان حكومة الخرطوم تسعي حثيثا للسيطرة على ما تبقي من البلاد في ظل انهيار شبه كامل للخدمات والامن بما يسبب موجات نزوح معظمها الي مصر.
اما الحدود الشرقية، فتلك قصة أخرى تكتمل فيها كل أركان المؤامرة، خاصة في سياقها القانون الجنائي، من خلال ثلاثة عناصر رئيسية: وجود اتفاق بين شخصين أو أكثر لارتكاب فعل غير قانوني، وجود نية مشتركة لتنفيذ هذا الاتفاق، ووجود فعل صريح قام به أحد المتآمرين لتعزيز الخطة الإجرامية.. وهذا بالضبط ما يتم حاليا. حيث نري توافق بين تل ابيب وواشنطن لتنفيذ ارتكاب جريمة التهجير القسري لسكان قطاع غزة.. وهو في حد ذاته جريمة مكتملة الأركان قبل ان تمثل العنصر الأول من المؤامرة.
أما فيما يتعلق بالعنصر الثاني، فهناك نية مشمولة أيضا بالنفاذ بين الرئيس الامريكي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على التهجير القسرى منذ أن أصبح الأول سيد البيت الأبيض مروجا لوهم تحويل القطاع الي "ريفيرا" ومنتج سياحي عالمي دون اي اعتبار للحقوق التاريخية لملايين الفلسطينيين.
أما فيما يتعلق بالعنصر الثالث محدث ولا حرج، فعمليات التهجير القسري للسكان من كل القطاع وحصرهم في المنطقة الجنوبية على الحدود المصرية تمثل وحدها فعل صريح، ليس هذا فحسب، بل ان اسرائيل أقرت بأحقية كل فلسطيني للخروج من غزة الي أي جهة غير الأراضي الفلسطينية! بل أن هناك مفاوضات فعلية تمت بين تل أبيب وعواصم جاكرتا، اديس ابابا، وغيرها لاستقبال ملايين الفلسطينيين المهاجرين قصريا سواء من القطاع او الضفة.. هكذا اكتملت أركان المؤامرة.
من وجهة نظر القيادة السياسية والعسكرية المصرية، بل ويري الشعب المصري في وصول اللاجئين من غزة إلى سيناء تهديدًا حقيقيًا، بل أخطر من عودة الصراع المسلح مع إسرائيل. فهو ليس مجرد عبء اقتصادي، بل سياسي وعسكري وأمني. لم يكن الحشد العسكري المصري في سيناء وعلى حدود رفح نتيجة لأحداث السابع من أكتوبر 2023، بل كان خطوةً استراتيجيةً بدأت منذ عام ٢٠١٤. هدفها: استقرار سيناء، وإعادة دمجها في الجسم الوطني المصري، ومنعها من أن تصبح ملاذًا آمنًا للإرهابيين.
كل هذا يتزامن ليس فقط على الحدود المصرية، لكن أيضا فيما هو وراء الحدود، أعنى هنا اثيوبيا التي افتتحت رسميا سد النهضة ضاربة عرض الحائط بالحقوق التاريخية لمصر والسودان.
سابقا صرّح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بأنّ السد لا يُشكّل أي تهديد لمصر أو السودان. كما أكّد أنّ بلاده تستخدم موارد النهر العابر للحدود بشكلٍ محدود، ولم تستولِ على أي شيء لا يخصّها. وأضاف آبي أحمد أنّ بلاده بدأت مشروعًا واحدًا، لكنّها تمتلك القدرة على بناء المزيد من السدود في حوض النيل.
لا شك أن تصرفات إثيوبيا تضر بمصر، وربما تنذر بالفعل بمواجهة مباشرة بين أديس أبابا من جهة والقاهرة والخرطوم من جهة أخرى في السنوات المقبلة. السد الإثيوبي وصل إلى سعته القصوى، 640 مترًا، بإجمالي 64 مليار متر مكعب. ومياه السد بدأت بالوصول إلى السد العالي (أسوان) قبل أيام، بما يعني أن حصة مصر من المياه ستصل كاملةً هذا العام.
ورغم أن السد العالي حمى مصر من تخزين المياه من إثيوبيا خلال السنوات الأخيرة، كما نجحت مصر في منع أضرار السد الإثيوبي من الوصول إلى المواطنين بشكل مباشر، بعد تنفيذ مشروعات مائية بلغت تكلفتها أكثر من 500 مليار جنيه مصري. فإن أديس أبابا تهدد بإنشاء المزيد من السدود، رغم فشلها التام في تحقيق هدفها المعلن بتوليد الكهرباء وتصديرها للخارج كمصدر للدخل.
بعيدا عن نظرية المؤامرة، فان تدفق النيل الأزرق خلال السنوات السبع الماضية كان متوسطًا أو أعلى من المتوسط، وبالتالي لم يتأثر استخدام مصر والسودان للمياه. لكن الخطورة ستتجسد عندما تقل مياه الامطار في هضبة اثيوبيا، حيث ستضطر اثيوبيا الي خفض صرف المياه في المجري لتتمكن من تشغيل التوربينات لتوليد الكهرباء، بما يؤدي تلقائيا الي خفض حصة مصر التي تعاني فعليا من فقر مائي.
خبراء المياه يتوقعون حدوث موجات جفاف في السنوات القادمة، مما قد يُؤدي إلى صراعات مباشرة بين الدول الثلاث. وردّت مصر سابقًا على إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي عن افتتاح سد النهضة الإثيوبي الكبير، حيث أكد وزير الري، هاني سويلم، رفض بلاده القاطع لسياسة أديس أبابا المستمرة في فرض الأمر الواقع من خلال إجراءات أحادية الجانب تتعلق بنهر النيل.
إثيوبيا دأبت على الترويج لاستكمال بناء السد غير القانوني رغم عدم التوصل إلى اتفاق ملزم مع دول المصب، ورغم التحفظات الكبيرة التي أبدتها كل من مصر والسودان. فاذا كانت اثيوبيا فعليا لا تريد الاضرار بمصر فيمكنها الجلوس الي طاولة التفاوض والوصول الي اتفاق ملزم تحت بند لا ضرر ولا ضرار كما أعلنت مصر في السابق. أو أن يكون هذا السد بُني خصيصًا للإضرار بمصر وأمنها المائي، بل وتقويض دور السد العالي في أسوان كخزان مائي استراتيجي لمصر.
في كل الأحوال فأن مصر وقيادتها السياسية والعسكرية تدرك جيدا حجم المخاطر، ولديها رؤية استراتيجية شاملة، ولم يكن من قبيل المصادفة عمليات التحديث والتطوير التي يشهدها الجيش المصري علي كافة مستوياته، وهي تمتلك العديد من الأوراق لمواجهة ما يحاك ضدها، وليس سرا أنه بعد تصاعد التهديدات الحوثية للملاحة الدولية، تعمل مصر والسعودية اليوم على تأسيس تحالف جديد في البحر الأحمر، من خلال إنشاء قوة بحرية مشتركة تهدف إلى تأمين أحد أهم طرق التجارة.
وتأتي هذه الخطوة في إطار "مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر"، الذي يضم سبع دول عربية وأفريقية، في محاولة لإنشاء درع أمني عربي مشترك لحماية مصالح الدول المطلة على البحر والحد من النفوذ المتزايد لبعض الدول في المنطقة.