لا تفهمونا غلط
منذ فترة وجيزة خاضت الدولة مواجهة جادة وحاسمة ضد من استباحوا حياتنا الرقمية عبر منصات مثل التيك توك، وفتحوا أبواب الانحدار الأخلاقي على مصراعيها بمحتوى مبتذل وسلوكيات مدمرة، وكانت نشاطاتهم تقف خلفها الكثير من الممارسات الإجرامية أو المخططات أو الأعمال الإجرامية المشبوهة وغسيل الاموال . وهي مواجهة تستحق التقدير، لأنها لم تكشف فقط عن خطورة ما يُبث عبر هذه المنصات، بل عرت الوجه القبيح للشاشات الصغيرة التي تسللت إلى أيدي الجميع، فتحولت من وسيلة يفترض أن تجمعنا على الترفيه والتواصل إلى أداة لنسف القيم وتشويه الوعي وإفساد الذوق العام.
من يتأمل واقعنا المعاصر لا يستطيع أن يغض الطرف عن حجم الخطر الذي بات يهدد حياتنا اليومية جراء الإفراط في استخدام الشاشات، وخاصة الهواتف الذكية وما تحمله من منصات التواصل الاجتماعي. هذه الأدوات التي كان من المفترض أن تكون وسيلة للتثقيف والتواصل البنّاء، تحولت في مصر إلى ساحة واسعة لنشر محتوى فارغ أو هدام، يساهم في تفكيك القيم الأخلاقية ويزرع البذاءة والسلوكيات غير المرغوبة في نفوس الشباب.
ولأنني خلال زياراتي المتعددة للصين قمت بمقارنة ما يقدمه تطبيق مثل تيك توك هناك بما نراه على شاشات هواتف شبابنا، اكتشفت الفارق الهائل بين ما يُبث في بلد يصنع المحتوى وفق رؤية تنموية وتعليمية هادفة، وبين ما يُبث في مصرنا الحبيبة حيث يطغى المحتوى المبتذل المليء بالسطحية واللا أخلاقية. ففي الصين وجدت أن المحتوى يدعم الإنسانية والأخلاق وحسن المعاملة وكل ما من شأنه أن يعود بالنفع على المجتمع، كما يركز على الترويج للعلم والتعلم والتكنولوجيا والابتكار، بينما نجد عندنا المحتوى المسيء يتصدر المشهد، وكأن هناك خطة ممنهجة لتفريغ عقول شبابنا من أي وعي أو قيمة.
وسط هذا الواقع، جاءت مبادرة أستاذتي الدكتورة منى الحديدي أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، تحت عنوان "معا يوم بلا شاشات"، لتكون دعوة جادة وملحة لإعادة النظر في علاقتنا بالشاشات. المبادرة لا تهدف إلى منع التكنولوجيا أو رفضها، بل تسعى إلى نشر ثقافة الاستخدام الواعي والمتوازن الذي يعيد للتكنولوجيا وظيفتها الأساسية خدمة الإنسان لا السيطرة عليه. الفكرة هنا تقوم على التوقف ليوم واحد عن الشاشات الذكية، بما يشبه "تنظيف الجسد من السموم" أو ما يعرف بديتوكس رقمي، حيث يستعيد العقل صفاءه، ويعود الجسد إلى توازنه، وتستعيد الروح مساحة من الهدوء بعيدًا عن الضوضاء الافتراضية.
ما يميز هذه المبادرة أنها قابلة للتطبيق على مستويات متعددة. فهي فردية لأنها تبدأ من قرار شخص واحد بالتحرر من هاتفه ليوم واحد، لكنها أيضًا جماعية لأنها حين تنتشر في المدارس والجامعات والمراكز الثقافية ووسائل الإعلام، تتحول إلى ثقافة عامة. الأنشطة والندوات والمسابقات المصاحبة لها تجعل منها مشروعًا وطنيًا ذا بعد تربوي وتوعوي، يستهدف بناء جيل قادر على إدارة وقته وحياته بوعي، بعيدًا عن الاستسلام الكامل لجاذبية الشاشات.
إن خطورة الإدمان الرقمي تكمن في أنه لا يُدرك بسهولة، فالشخص يظن أنه يسيطر على هاتفه بينما الحقيقة أن الهاتف هو الذي يسيطر عليه. كثيرون يستيقظون في منتصف الليل ليتابعوا ما فاتهم، وآخرون لا يستطيعون تناول وجبة واحدة دون أن يضعوا الهاتف أمامهم، بل هناك من فقدوا القدرة على الاستمتاع بالجلسات الأسرية أو التجمعات الاجتماعية لأن عيونهم معلقة بالشاشات. هذا النمط من السلوك يخلق جيلًا معزولًا عن واقعه، عاجزًا عن التواصل الإنساني الطبيعي، غارقًا في توتر دائم ينعكس على صحته النفسية والجسدية.
وقد أثبتت الدراسات أن الاستخدام المفرط للشاشات يؤدي إلى اضطرابات النوم والقلق والاكتئاب، ويضعف التركيز والتحصيل الدراسي، كما أنه يؤثر على العيون مسببًا مشكلات بصرية مزمنة. والأخطر من ذلك أنه يسرق من الإنسان لحظات التأمل والهدوء التي تحتاجها العقول للإبداع. لقد جاءت أعظم الاختراعات والاكتشافات في لحظات استرخاء وتأمل بعيدًا عن الضوضاء، أما اليوم فإن الضجيج الرقمي المستمر يجعل الإنسان يعيش في حالة توتر دائم تمنعه من التفكير العميق.
ومبادرة "معا يوم بلا شاشات" ليست ترفًا أو رفاهية، بل هي ضرورة ملحة لإعادة الإنسان إلى طبيعته. إذا كان الجسم يحتاج من وقت إلى آخر إلى حمية صحية للتخلص من السموم، فإن العقل أيضًا يحتاج إلى "حمية رقمية" تعيد له التوازن. والتجربة قد تكون صعبة في البداية، لكنها تكشف للفرد حقيقة علاقته بهاتفه، هل هو سيد هذه الأداة أم عبد لها؟ يوم واحد بعيد عن الشاشات قد يكون كافيًا ليكتشف الإنسان أنه أهمل نفسه وعلاقاته الحقيقية، وأنه قادر على بناء حياة أكثر ثراءً وصدقًا إذا أحسن تنظيم وقته.
المبادرة أيضًا صرخة ضد المحتوى الرديء الذي يغزو منصاتنا يوميًا. فقد رأينا كيف استغل بعض المؤثرين هذه المنصات لنشر سلوكيات مشينة وأفكار سطحية، حتى باتت مادة للتقليد بين المراهقين والشباب. بينما في تجارب أخرى مثل الصين، يتم استخدام نفس المنصات لدعم البحث العلمي والابتكار وتعليم الأطفال مهارات نافعة. هذا التباين يضع أمامنا مسؤولية كبيرة: إما أن نواصل الانجراف خلف التيار الهدام، أو نبدأ في صناعة محتوى هادف يقود شبابنا إلى مستقبل أفضل.
لا شك أن التحديات كثيرة، ولا أحد يتوقع أن ينجح الجميع في الابتعاد عن الشاشات يومًا كاملًا. لكن قوة الفكرة تكمن في التجربة نفسها، فمن ينجح في بضع ساعات سيعرف حجم إدمانه، ومن يتمكن من استكمال اليوم سيكتشف حياة مختلفة. والأمل أن تقود هذه التجربة إلى وعي جديد يجعلنا أكثر قدرة على التوازن بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي.
وأخيرا
لقد حان الوقت أن ندرك أن التكنولوجيا ليست قدرًا محتومًا يفرض علينا، بل هي أداة بأيدينا. إما أن نستخدمها بحكمة لخدمة أهدافنا وتطوير حياتنا، أو نسمح لها بأن تتحول إلى سجن غير مرئي يحاصرنا. مبادرة "معا يوم بلا شاشات" هي دعوة للتحرر من هذا السجن ولو ليوم واحد، حتى نستعيد وعينا ونبني مستقبلًا لا نفقد فيه أنفسنا أمام شاشات تسرق أعمارنا.
ولمن يظن أن المشاركة في المبادرة خسارة، أقول له: جرب. فلن تخسر شيئًا إذا ابتعدت عن هاتفك يومًا، لكنك ستربح نفسك وصحتك وعلاقاتك. وستكتشف أن الحياة الحقيقية أجمل بكثير مما تمنحه لك شاشة صغيرة.
وأقول ايضا لمن يظن أننا في عصر السماوات المفتوحة والتواصل التكنولوجي، ويرى أن مبادرة "معًا يوم بلا شاشات" تقف ضد هذا التقدم، إن الحقيقة على العكس تمامًا. فالتكنولوجيا في جوهرها إنجاز إنساني عظيم، لكن قيمتها الحقيقية لا تتحقق إلا إذا وُضعت في موضعها الصحيح لخدمة الإنسان لا لاستعباده. المبادرة ليست دعوة للعودة إلى الوراء ولا إنكارًا لمكتسبات العصر، بل هي وقفة وعي لإعادة التوازن بين ما هو افتراضي وما هو واقعي، بين التقدم التقني والحياة الإنسانية الأصيلة. إنها محاولة لاستعادة إنسانيتنا التي ضاعت وسط الزحام الرقمي، لنستخدم ما بين أيدينا من أدوات حديثة بوعي ومسؤولية، وبما يضمن أن يظل التقدم في خدمة المجتمع لا في هدمه.
مصطفي البلك
[email protected]