رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالبنط العريض

ليس بإمكاننا أن نمر مرور الكرام على صورة رؤساء الثالوث النووي "كوريا الشمالية وروسيا والصين" الذين اجتمعوا قبل أيام في قمة منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) في تيانجين، وإحيائهم للذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، وحضور عرض عسكري بهذه المناسبة.

الصورة تقول إن المكان الذي يجتمع فيه قادة من أبرز الدول لمناقشة مستقبل العالم لم يعد واشنطن عاصمة الولايات المتحدة، أو حتى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، نحن الآن بصدد واقع جديد يتشكل، مركزه الصين.

الرئيس الصيني استضاف أكثر من 20 رئيس دولة ورئيس وزراء في بلاده، وبعيداً عن الأسباب المعلنة للاجتماع، فإن لهذا التجمع أهمية أعمق بالنسبة للرئيس الصيني، حيث يعني أن بلاده أصبحت زعيمة عالمية ومصدراً للاستقرار والازدهار, وترسل الصين بهذا الاجتماع مجموعة من الرسائل للعالم: أولها أن انعقاد المؤتمر في مدينة تيانجين الساحلية لم يكن عبثيا؛ فالمدينة ميناء مفتوح على الخارج، وتُعد المنفذ الرئيسي لمشاريع الحزام والطريق.

الرسالة الثانية تمثلت في البيان الختامي لهذه القمة والذي أكد على أن تقارب روسيا، والهند، والصين، عكس رغبة آسيوية في الانتقال إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب و نشوء مركز جديد في آسيا يحدث توازنا إيجابيا بالنسبة للعالم, بعد حالة الاضظراب التي سببها النظام العالمي القائم على الهيمنة الغربية, وفي السياق ذاته لا يمكننا النظر إلى الفعاليات والحراك والمنظمات التي تأسست تحت المظلة الأسيوية بمعزل عن هذا الهدف فمن غير الصواب مثلا أن نفصل منظمة شنغهاي للتعاون عن تكتل البريكس (BRICS) الذي يشكل محورا للدول الآسيوية, ففي السنوات القادمة، قد تتوحد هاتان المنظمتان ضمن كيان جديد, وقد تأسست هذه المنظمات في الأصل على أساس التعاون الاقتصادي، لكنها بدأت هذا العام بالخوض في مواضيع أوسع. فقد تم رفض عقلية الحرب الباردة، وسياسات التحزب، والممارسات القسرية. وجرى إبراز مبادئ العدالة والتعددية. والتأكيد على دعم نظام التجارة متعدد الأطراف المرتبط بمنظمة التجارة العالمية (WTO).

الرسالة الثالثة والأهم في رأيي أن هذا الاجتماع الذي لفت أنظار العالم أجمع، جاء في مواجهة السياسة الأمريكية العدائية والهجومية وغير المتزنة، وفي ظل تراجع الدور الأوروبي، والسياسات الغربية التي تستبعد روسيا.

الرسالة الرابعة تضمنها الحديثُ في البيان الختامي عن التوجه نحو كيان تنموي، اقتصادي وأمني وهذا لا معنى له سوى احتمالية تشكل قطب جديد, كما أن الموقف النشط والحيوي للهند يجب أخذه في الاعتبار فقد تم اعتماد الرؤية التي اقترحتها الهند رسميا تحت شعار: "عالم واحد، عائلة واحدة، مستقبل واحد".


ورغم التساؤلات عما إذا كانت الهند تضم ضمن هذه العائلة كلا من باكستان والمسلمين الذين طالما همشتهم، فإن قبول اقتراحها بحد ذاته كان لافتا للأنظار, مع الأخذ في الاعتبار ترتيب الهند على خريطة الصناعة و التجارة الدولية الذي بدأ يتنامى بشكل سريع و يأخذ مكانا واضحا ضمن النمورالأسيوية, حتى أن جولات و تحركات رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، باتت في السنوات الأخيرة محل اهتمام الصحف العالمية, التي لم تمرر أيضا لقطات مودي وهو يبتسم باستمرار ويتودد بشكل مبالغ فيه إلى الرئيس الصيني شي جين بينج و الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

الرسالة الخامسة والأخيرة: إذا نظرنا إلى الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، لوجدنا أنها كما لو كانت تقول للعالم أنها لا ينقصها شيء لتصبح فاعلا سياسيا مؤثر عالميا, فهذه الكتلة تُشكل قوة اقتصادية وطاقوية معتبرة، ففي مجال الطاقة تبرز إيران، وكازاخستان، وأوزبكستان، وقطر، وأذربيجان، كلاعبين رئيسيين في سوق الطاقة العالمي, بل وعلى الجانب العسكري ُتعد روسيا، الصين، باكستان، وتركيا من بين أقوى الدول على مستوى العالم.

منظمة شنغهاي تضم في عضويتها كلا من: الصين، روسيا، الهند، باكستان، كازاخستان، قرغيزستان، طاجيكستان، أوزبكستان، إيران. وتضم 4 دول مراقبة هي: أفغانستان، بيلاروسيا، منغوليا، سريلانكا. وتضم 6 دول بصفة شركاء الحوار هي: أذربيجان، ألبانيا، كمبوديا، نيبال، تركيا، قطر.

الخلاصة إن مجرد الشراكة بين الصين، والهند، وروسيا وحدها كفيلة بإحداث تغييرات كبيرة في التوازنات العالمية, وهذا التكتل مؤهل ليكون مركزا بديلا في مجالات الاقتصاد والطاقة والأمن والتجارة, وهذا معناه أن الحراك نحو إعادة التوازن العالمي نشطا وربما سيظل نشطا حتى إحداث التغيير.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة