المولد النبوي الشريف إشراقة نور على الإنسانية جمعاء وتجدد للوعي، وانفتاح على أفق الرحمة التي شملت العالمين، واستدعاء هذه الذكرى واستحضار الرسالة التي جاء بها النبي ﷺ، بوصفها مشروعًا لبناء الإنسان وإعلاء كرامته، وتحريره من قيود الجهل والظلم والاستعباد، وإعلان دائم أنّ الإنسانية يمكن أن تبدأ من جديد، وأنّ النور يمكن أن يشق طريقه مهما تراكمت الظلمات، وأنّ الإنسان هو غاية الرسالة ومحورها، ومن هنا تنفتح دلالات هذه المناسبة على أبعاد القدوة، والوعي، وبناء الإنسان.
ويمثل النبي محمد ﷺ القدوة الخالدة والمثال الإنساني الذي تتسع صورته لتشمل كل زمان ومكان، والاقتداء به هو استلهام لجوهر القيم التي جسدها في حياته اليومية، حيث عاش الوحي واقعًا، وجعل من القرآن منهجًا عمليًا متجسدًا في السلوك، فكان ﷺ قرآنًا يمشي على الأرض؛ يجمع بين الإيمان العميق والرحمة الواسعة، وبين الحكمة العملية والخلق الرفيع، وبين القيادة الراسخة والتواضع الإنساني الذي يأسر القلوب.
وتتحول القدوة النبوية إلى بوصلة أخلاقية ترشد الإنسان في فضاء الحياة المعقد، وتمنحه معيارًا يوازن به بين حاجات الروح ومتطلبات المادة، وبين طموحات الفرد ومصالح الجماعة، وحينما يستدعي المسلمون هذه القدوة فإنهم يربطون حاضرهم بمرجع روحي وأخلاقي يحصنهم من التيه في دوامات الاستهلاك والاغتراب واللايقين، ويوجههم نحو بناء حياة أكثر توازنًا وعمقًا.
والاقتداء بالنبي ﷺ هو منهج حياة يتجلى في تفاصيل السلوك الفردي والجماعي، في العدل بين الناس بعيدًا عن المحاباة والتمييز، في الوفاء بالعهود الذي يصنع الثقة ويؤسس للاستقرار، في إتقان العمل الذي ينهض بالأمم، في الرحمة التي تعطي للإنسان إنسانيته، وفي بناء مجتمع تسوده القيم قبل أن تسوده المصالح.
ويعد اكتشاف هذه القدوة النبوية في عمقها التربوي والإنساني خطوة فارقة في مسيرة بناء الإنسان، فتتحول إلى إطار عملي لتجديد أخلاقنا وصياغة وعينا، وتصبح منهجًا حيًا يحكم سلوك الأفراد وينظم علاقات المجتمعات، ومن هنا، فإن استحضار شخصية النبي ﷺ إحياء لمرجع جامع يضيء حاضرنا، ويرسم لنا معالم المستقبل، ويؤكد أن الحضارة الحقة تقوم على التكامل الخلاق بينهما بما يمنح الإنسان مكانته وكرامته ويجعله محور التنمية وغايتها.
إنها دعوة لأن نعيد قراءة السيرة النبوية بعين الحاضر؛ فنستلهم من النبي ﷺ كيف نوازن بين الروح والمادة، بين الأصالة والمعاصرة، بين الهوية والانفتاح، وكيف نبني مجتمعًا راشدًا يستثمر منجزات العصر دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية ولتجديد العهد مع القيم الكبرى العدالة، الرحمة، الأخوة، والإحسان، قيم تجعل الإنسان أكثر وعيًا بإنسانيته، وأكثر استعدادًا لصناعة حضارة إنسانية راشدة.
وتعد ذكرى المولد النبوي الشريف استدعاء متجدد للوعي الرسالي الذي بشرت به الرسالة المحمدية، فقد كانت منذ فجرها دعوة مفتوحة للإنسان كي يعي ذاته ومكانه في الكون، ويستشعر مسؤوليته تجاه خالقه، وتجاه مجتمعه، وتجاه الإنسانية جمعاء، إنها مشروع حضاري شامل يهدف إلى تحرير العقل من أسر الجهل والخرافة، وتحرير الضمير من الاغتراب والتشتت، وتحرير الإنسان من الظلم والقهر والاستغلال، وهي في الوقت نفسه مشروع بناء للأوطان على أسس العدل والكرامة والمساواة، وبناء للعلاقات الإنسانية على قواعد الرحمة والتعارف والتعاون، فهي مشروع نهضة شاملة تستهدف الإنسان والعمران وتعيد للعقل حريته في التفكير، وللقلب طهارته في الإيمان، وللمجتمع توازنه في العدل والتكافل، وللحضارة معناها في الرحمة والإنسانية.
ويمثل المولد النبوي استدعاءً للقدوة وتجديدًا للوعي، فإنه ومشروع لبناء الإنسان وتؤكد أنّ الغاية من الوحي هي الارتقاء بالإنسان، عقلاً وروحًا وجسدًا، ويبدأ بناء الإنسان من تحريره من عبودية الأصنام، أصنام الهوى والمال والسلطة، وترسيخ منظومة قيمية تجعل من الإنسان خليفة لله في الأرض، مسؤولاً عن إعمارها، وحاملاً لرسالة الحق والعدل، وهذا البناء الإنساني يتجلى في التربية النبوية تربية تقوم على غرس الإيمان، وتعزيز الأخلاق، وتنمية العقل النقدي، وصناعة الإرادة الحرة؛ لتربية صناع حضارة حملت مشاعل النور إلى العالم.
وفي خضم عالمٍ يموج بالأزمات الاقتصادية والبيئية والسياسية، تتضاعف الحاجة إلى بوصلة قيمية وأخلاقية تعيد للإنسان توازنه وللحياة معناها، وهنا يطل المولد النبوي الشريف كمناسبة فارقة، تحمل دعوةً مفتوحة للإنسانية كلها إلى حوار حضاري يقوم على القيم المشتركة، ويعيد الاعتبار للإنسان بوصفه مركز الوجود وغايته.
ويمثل إعادة اكتشاف الرسالة المحمدية رصيدًا إنسانيًا مشتركًا، تخاطب وجدان البشرية جمعاء، بما تحمله من قيم الرحمة التي تسع الجميع، والعدل الذي ينصف كل إنسان، والتسامح الذي يتجاوز الجراح، والحرية التي تحرر العقل والضمير، والكرامة التي تحفظ للإنسان مقامع، فهذه القيم تعد مقومات بقاء الإنسانية واستمرار حضارتها، وضمان عدم انزلاقها إلى هاوية الصراعات المدمّرة والفوضى الوجودية والأنانية المفرطة التي تهدد التوازن الكوني.
ويمتد أثر المولد النبوي الشريف إلى المجتمع بأسره، ويجدد العقد الأخلاقي بين أفراده، ليقوم على المسؤولية المتبادلة، والتكافل الحقيقي، والعدل الشامل، ويتجسد ذلك في مشاريع عملية ومبادرات ملموسة تخدم المجتمع وتنهض به، من مبادرات التكافل الاجتماعي التي تجسد روح الأخوة، إلى الحملات التوعوية التي تحمي المجتمع من الانغلاق أو الانحراف، ومن الجهود المبذولة لتعزيز الوعي البيئي وحماية الطبيعة بوصفها أمانة في أعناقنا، إلى البرامج الموجهة لحماية الشباب من المخاطر الرقمية والفكرية التي تهدد عقولهم وهويتهم.
ونخلص أن المولد النبوي الشريف قوة دافعة للتغيير الاجتماعي والبناء الحضاري، تتجاوز حدود الاحتفال التقليدي إلى فعل إصلاحي متجدد، وطاقة إنجاز حضاري تسهم في صناعة مجتمع متماسك في بنيانه، متوازن في قيمه، ومؤمن برسالته الإنسانية الجامعة، فهو مشروع شامل لبناء إنسان كريم، ومجتمع راشد، وأمة شاهدة على العالم تحمل رسالة الرحمة والعدل والسلام، ومن ثم تتأكد لدينا الحقيقة الكبرى أن الحضارة حصيلة إنجازات مادية ومنظومة قيمية تؤطر السلوك، وتمنح للمنجز معناه وشرعيته، فالمادة بلا قيمة تتحول إلى عبء، والتقنية بلا أخلاق تنقلب إلى خطر، أما حين تُبنى الإنجازات على قاعدة من العدالة والرحمة والكرامة، فإنها تتحول إلى قوة دافعة حضارية تحفظ للإنسان إنسانيته، وللعالم توازنه.
بقلم
أ.د/ مها محمد عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر