رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


الذاكرة ذلك الغموض.. ليست صندوقًا نحمله، بل قدر يلاحقنا. ما نظنه نسيا منسيًا يعود فجأة، ليذكّرنا أن الماضي لا يرحل أبدًا، بل يختبئ ويتوارى في زوايا الروح.
وقد يظنّ الإنسان أنه يملك ذاكرته، يفتح منها ما يشاء ويغلق متى أراد، غير مدرك أن الذاكرة هي من تملكه، وتتحكم في مساراته الخفية. هي مرآة معلّقة في زمن غامض بعيد، تعيد إليه ما كان يظنه قد إنطفأ، لتضعه من جديد في مواجهة صوره الأولى، وانكساراته، ودهشته البكر. إنها ليست مجرد مخزن للذكريات، بل قوة لا ترى وسلطان صامت يطلّ برأسه كلما حاولنا أن نغلق أبوابه، فنكتشف أننا سجناء في أقبية ماضيه، لا الفاتحون لأبوابه.
ونجد تلك الرهبة، أمام ما للذاكرة، من سلطان.. لا نعرف بالضبط متى نتخلص، من صورها.. أو لِمَ تظل قابعة، فى ركن ما طويلا.. فى زاوية خارج نطاق الأنظار، لا تعترف بزمن، كذاكرة مفقودة عند مفترق الطرق.. يوثقها هذا التيه الذى نقع فيه، ونحن نعلم هذا تماما، كمن يرتمى فى أحضان عباءة ليل، لا نتصور حتى فكرة، أن تستمر هذه الصور، على هذا الحال.. تعيش فى مجرى الذاكرة، مغروسة فى الذهن، ما إن يفتح باب لها، فلا نعرف كيف يُغلق، ليقف تداعيها.. لا تقبل نسيان، أو محو.. نعود إليها بإستمرار.. من الصعوبة ألا نتأثر بعمق، وألا يغمرنا رضا بتجاهل شخصية، باتت كظل، ولم تكن تفصلنا أية حدود عنها.. عفى عليها الزمن، لا نعرف أتصبح داكنة مع مر الأيام، وتسير إلى إنحدار بطئ وتلاشى حتمى، أم تظل مشهودة لنا، وقائمة فى زمن معلق، أم تصبح نابضة بالحياة،.. تبنى ماضيا منسيا، وأماكن باتت مجهولة، إلى حد نسيان، مجرد وجودها فى الذاكرة، وساهمت فى إفقادها.. أمام حاضر مُنهك، بذكرياته.. شئ هزلى، يفقد كل معنى، ويتقاسمه. وهكذا، وبكل ببساطة، نظل فى الواقع المهتز، فى صورته الأصلية،.. وبتدرج قاس، حيث يتغير صوت الضجيج، وإلتباس، وحنين إلى الماضى.. حيث يشبه تذكّره، قراءة مضمون نص، غير مندهشين من نبرته، أو نسينا معناه،.. أصبح غير ذى معنى، إلا من صور مكدسة، صامتة على جدران باردة للذاكرة.. حيث يتوقف الوقت، فى محاولتنا للتخلص منها بالنسيان، تارة. ومحاولة غلق أبوابها، فى العقل، تارة أخرى. فى عزلة أكيدة، وبعيدا عن كل خيال، قد يُودى بنا، إلى أن نُقصي الحياة، لمجرد إغراء صدى مشوش وغامض، كما لو إنعكس فى مرآة منفى، لا نراها. نتوق، لأن تبقى ذاكرتنا فى فراغ، من الأفضل أن تبقى للأبد فيه،.. ألاّ توجد وسيلة لإرجاع ما انهار منها، مع مرور الزمن..
قبل أن تظهر من جديد، طالّة برأسها مرة، بعد مرة، ونصبح لها رهناء، سجناء.. بأن تنتابنا قوة إصرار دفين ، للإستمرار، فى إقتفاء أثر ما، تفتحت أمامه أعيننا، لأول مرة، فى حياتنا، كأنه، هدهد لنا طفولة حياة.. هنا نقع فريسة لتلك الصور، التى تكونت فى الذاكرة، وتأبدّت بها.. لا يمكننا تفاديها، نخفق مرة بعد مرة، إزاء محاولات محوها، والقضاء عليها بالنسيان.. وإن لن نلتقى بها، مرة ثانية أبدا.. وكأن قدر للإنسان، هذا السجن، من الذكريات والآثار، ماثلة هناك، فى هذا المكان المسمى، بالذاكرة.. ويتطلب الأمر، مرور سنوات طوال، نترقب لحظة النسيان.. فى إختبار لأنفسنا، هل ما زلنا قادرين، على تتبع كل ما تبخر، من أثر حقيقى، لتشكيل مشهد ما مضى، من حياتنا، ممّا صار كخيوط واهية، مفرقة بين عديد، من صور ذاكرة.. ومع هذا الفقدان.. قد تنعدم تلك اللحظة الحاملة لذكرى.. حينما تضيع اللغة، وتتبخر الكلمات، ويخفت مذاق المعانى.. حين يتكرر إسم ما، كان يعنى شيئا لنا، فيما مضى، فلا تكون، حينئذ، بمثابة إعادة احياء ذكرى ما، يتردد صداها، فى الروح.. بقدر ما يدل على حجم النسيان، المفروض أن يكون للذكريات الأولى.. والكلمات الأولى.. للخطوات، التى مضينا، ونمضى بها، قدما.. مما ظننا أننا سبق، وقيل فيها كل شئ. وما للذاكرة من سلطان علينا، ولا رهبة نجدها، إلا ما إستفدناه فعلا، أمام هذه الرهبة الكبيرة، وهذا السلطان القاهر، بصور إنطبعت، على جدرانها، فرضها أو يفرضها، علينا الزمن.. وقد أصبح كل شئ، مجرد هباءات من ذكريات... وفى النهاية، هكذا نتعامل، مع الذاكرة، ونتحكم فيها. نتحرر نحن.. وتنزوى، فى جهة ما، أو تتلاشي، مختفية، خارج دائرة الأنظار، غير معترفة بإيقاع، أو مرور زمن، ذكريات، وذكريات... ومع ذلك، لابد أن يبقى منها شئ.. إن لم يكن فى الواقع، ففى حلم بعيد، لا يشاركنا فيه أحد، أبدا، ولا نسمح، لما عانيناه، وحدنا.. ذقناه وحدنا.. وسبكنا وحدنا، فى سبيل، لا يعرفه إلا نحن.. ومن جديد، يصبح، ونصبح، ذكرى فحسب، وتمضى الحياة، ونمضى معها، ومعنا، ذاكرتنا...
وتمضي الأعوام، لكن تظل الذاكرة هي الحكم الأخير. قد تخفت صورها أو تتلاشى، لكنها تبقى وشمًا خفيًا في الروح، لا يمحوه زمن.
وهكذا، يبقى للذاكرة رهبتها، مهما طال العمر وتكاثرت التجارب. نتهرّب منها فنجدها في وجوه عابرة، أو في كتاب قديم، أو في كلمة توقظ فينا صدى غابرًا. لا سبيل إلى الانتصار عليها إلا بالتصالح معها، وتركها تنزوي حيث تشاء، ما دمنا نعرف أنها ستعود دومًا، لتذكّرنا أننا لسنا سوى كائنات من نسج اللحظة والذكرى. تمضي الحياة وتمضي بنا، لكن ما يبقى حقًا هو ما صاغته الذاكرة في أعماقنا، وما حفرته من أثر، لا يزول إلا بزوالنا.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة