ع المكشوف
هو إحنا مالنا بنحب نكبر أي حاجة صغيرة كده؟ وبنجري ورا أي ترند زي اللي بيتسابق على رزقه. حكاية "هايدي" وكيس الشيبسي، اللي المفروض تكون قصة لطيفة وعادية، تحولت فجأة لمسلسل تركي والملايين نازلة ترف عليها، ورحلات عمرة، وهدايا بالكوم.
يا جماعة، إيه اللي بيحصل ده؟ هل إحنا مستغربين إن فيه طفلة تعمل حاجة كويسة وعادية؟
الترند ده بقى زي السم اللي بيخش في عروق المجتمع، بيخلينا نسيب القضايا المهمة ونركز في التفاهات. بنت صغيرة ساعدت راجل كبير، حاجة إنسانية بسيطة، إيه المانع؟ ده الطبيعي. لكن إحنا، من كتر ما شوفنا القسوة واللامبالاة، بقى أي تصرف إنساني عادي بالنسبة لنا إنجاز يستاهل الملايين والشهرة.
فين إنسانيتنا اللي ضاعت؟
اللي بيحصل ده مش طبيعي، ده معناه إن إحنا فقدنا جزء من إنسانيتنا. لما نشوف طفلة بتعمل خير ونستغرب، يبقى إحنا عندنا مشكلة كبيرة. المشكلة مش في هايدي، المشكلة فينا إحنا. في كل واحد بينزل يشير ويكتب "يا ملاك الرحمة" و"بنت الأصول"، وهو ممكن يكون في حياته اليومية بيتجاهل أي حد محتاج أو مش بيهتم باللي حواليه.
فيه آلاف الأطفال زي هايدي، ويمكن بيعملوا حاجات أحسن وأهم، لكنهم مش محظوظين إن كاميرا تليفون لقطتهم. فيه أطفال بيشيلوا شنط تقيلة عن ناس كبيرة، وفيه أطفال بيساعدوا أهلهم في الشغل، وفيه أطفال بياكلوا لقمة واحدة عشان أخواتهم ياكلوا، بس كل دول "مش ترند". حياتهم صعبة، بس ما حدش بيشوفها، ولا حد بيصورها.
أنا مش عايز أبقى متشائم، بس هل ممكن يكون ده مقصود؟ يعني فيه ناس بتستفيد إن الرأي العام يتشغل بحكايات زي دي عشان ننسى القضايا الأهم والأصعب؟ يمكن ده بيحصل عشان ننسى غلاء الأسعار، وننسى مشاكل التعليم والصحة، وننسى كل حاجة بتوجعنا بجد.
اللي واضح قدامي إن فيه استغلال للقصص الإنسانية البسيطة دي عشان يتم تصديرها كدراما تلهي الناس. إحنا مجتمع بيحب الدراما، وبيجري ورا أي قصة فيها "عاطفة" عشان يتفاعل معاها، حتى لو كانت على حساب العقل والمنطق.
كفاية "أفورة" يا ناس. خلونا نرجع للإنسانية الحقيقية، مش الإنسانية اللي بتتصور وبتتنشر. خلونا نساعد بعض من غير كاميرات، ونحب الخير لبعض من غير انتظار ترند. الأفعال الإنسانية الجميلة المفروض تكون قاعدة، مش استثناء يستاهل كل الضجة دي.
يا رب نرجع نشوف الخير في حياتنا الطبيعية، مش بس في قصص السوشيال ميديا.