رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

كيف غيّرت ساعة نوم إضافية وجه التعليم في بريطانيا… وما الذي يمنعنا في مصر؟
حدث بالفعل في مدرسة ثانويه بريطانية، أن قررت الإدارة شيئًا قد يبدو بسيطًا وهو تأجيل الجرس الأول من الثامنة وخمسين دقيقة إلى العاشرة صباحًا. لا تغيير في المناهج، ولا في عدد الساعات، فقط وقت مختلف للبداية. لكن النتيجة كانت مذهلة.
انخفض الغياب لأكثر من النصف، والدرجات ارتفعت، والطلاب صاروا أكثر يقظة وحضورًا. المعلمون الذين توقعوا كسلًا وتراخيًا، وجدوا أنفسهم أمام فصول مليئة بالطاقة. وعيون مفتوحة بدل النصف نائمة المعتاده، وعقول متوقدة بدل الأذهان المتثاقلة. اللافت أن التجربة لم تكن عابرة، بل دراسة موسعة امتدت لعامين كاملين، وشملت أكثر من ألف طالب، مما أعطى النتائج ثقلًا علميًا يصعب تجاهله.
الطب يفسر الظاهرة بسهولة بأن الساعات البيولوجية الطبيعية للمراهقين تجعل من الصعب عليهم العمل في الصباح الباكر، كما أن تأجيل الدروس إلى وقت لاحق يساعد على التوافق مع دورات نومهم. لذلك يكون بدء الدراسة عند السابعة صباحًا أشبه بإجبارهم على أداء امتحان عند الفجر. لكن حين يتاح لهم النوم الكافي، تتحسن صحتهم النفسية، ويزداد تركيزهم، ومن ثم يقل توترهم.
إن التجربة البريطانية ليست استثناء. ففي الولايات المتحدة، أوصت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بأن يبدأ اليوم الدراسي بعد الثامنة والنصف. أما ولاية كاليفورنيا فألزمت المدارس بذلك، وكانت النتيجة: حوادث مرورية أقل، وأداء أكاديمي أفضل. أما فنلندا، صاحبة أحد أنجح أنظمة التعليم، فاليوم الدراسي بالفعل يبدأ متأخر، وذلك انسجامًا مع فلسفتهم التي تجعل المدرسة بيئة طبيعية للتعلم، لا ساحة انضباط عسكري. لكن حتى في الصين وكوريا الجنوبية، حيث ضغط الساعات الدراسية الخانق، فقد بدأت الأبحاث تكشف أن الحرمان من النوم يرتبط بالاكتئاب وضعف التحصيل رغم كل الجهد.
بينما في مصر، يبدأ الطالب يومه قبل الفجر وسط زحام الدروس الخصوصية. ومع أن الأرقام الرسمية تكشف تحسنًا ملحوظًا — إذ أعلن وزير التربية والتعليم الحالي محمد عبد اللطيف أن نسبة حضور طلاب الثانوية ارتفعت إلى أكثر من 90% مع بداية الفصل الدراسي الثاني 2025 بعدما لم تتجاوز 10% في أعوام سابقة — إلا أن هذا الحضور جاء نتيجة ربط الغياب بدرجات أعمال السنة. والتي أجبرت الطلاب علي الحضور مرهقين بعد سهر طويل، يواجهون يومًا دراسيًا طويلًا بلا طاقة كافية.. وأولياء الأمور بدورهم يشكون من أن الكثافة العالية في الفصول والواجبات المتراكمة تُرهق أبناءهم وتقلل من متعتهم في التعلم.
صحيح أن هناك من يعارض الفكرة، بحجة أن تأخير الجرس سيؤدي إلى إرباك جداول عمل أولياء الأمور أو يضاعف الزحام المروري في ساعات الذروة. لكن إذا وضعنا هذه العقبات في الميزان أمام صحة الطلاب النفسية والجسدية، وأمام تحسين تحصيلهم العلمي وتقليل التسرب، سنجد أن الحلول لهذه التحديات ممكنة، بينما خسارة أجيال كاملة بسبب الإرهاق لا يمكن تعويضها.
ماذا لو طبّقنا سياسة التأخير لساعة واحدة فقط؟ تخيّل أن يبدأ الطالب يومه بساعة نوم إضافية، ويدخل الفصل أكثر وعيًا وحضورًا، وبالتالي يقل الغياب ويتلاشي التسرب، ومن ثم تتحسن الصحة النفسية، وتتفتح القدرة على الإبداع. قد لا تكون هذه الساعة حلًا سحريًا لكل المشكلات، لكنها قادرة على إحداث فارق حقيقي.
إن القضية أعمق من مجرد جرس لبداية اليوم الدراسي. بل سؤال جوهري: هل نصمم اليوم الدراسي على مقاس المجتمع، أم نعيد تشكيل المجتمع قليلًا على مقاس عقول أبنائنا؟ التفاصيل الصغيرة قد تُحدث تحولات كبرى. وربما حان الوقت أن نسأل أنفسنا: أليس إصلاح التعليم في بلادنا قد يبدأ من... ساعة نوم إضافية؟
وربما حان الوقت لخطوة عملية: لماذا لا نبدأ بتجربة بسيطة في بعض المدارس المصرية، بحيث يتأخر الجرس ساعة واحدة فقط لفصل دراسي كامل، ثم نقيس النتائج على الغياب والتحصيل والصحة النفسية؟ إذا أثبتت التجربة نجاحًا، يمكن تعميمها تدريجيًا. عندها لن تكون مجرد رفاهية، بل نقطة انطلاق نحو إصلاح أعمق للتعليم. إن تجربة المدرسة البريطانية لم تكن مجرد وقت جديد لبدء الدراسة، بل كانت لحظة كشفت أن أحيانًا، أصغر التغييرات قد تصنع أعظم الفوارق.

[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة